الأعمدة

دور شعر الحقيبة في توثيق حفلات الزوج

)

بقلم: إسماعيل السيد أحمد
الجزء الأول
لعب شعر الحقيبة دوراً هاماً ومحورياً في توثيق الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والرياضية في السودان، وهو بمثابة سِّجِل ارشيفي حافل بتفاصيل الحياة اليومية، والعادات، والتقاليد، والقضايا السياسية والاقتصادية والدينية للمجتمعات. مما يجعله مرجعاً هاماً لفهم التحولات التاريخية والاجتماعية للمجتمع السوداني.
يتناول هذا المقال توثيق شعر الحقيبة لحفلات الزواج في السودان الأوسط (تجاوزاً)، عبر تحليله للعديد من القصائد التي عملت على توثيق العديد من الحفلات. تأتي أهمية المقال في كونه يتناول توثيق «حفلات الزواج» والتي تعكس عناصر الثقافة الشعبية للمجتمع السوداني، منها على سبيل المثال توثيق الطقوس والعادات والتقاليد المرتبطة بالزواج (كالسيرة، الجرتق، والحفلات، الحناء، والقيدوم، والملابس وغيرها)، مما يسهم في صون التراث الثقافي ونقله للأجيال المتعاقبة. كما يساهم التوثيق في تعزيز دراسة علم الإنسان الاجتماعي والثقافي (Social/Cultural Anthropology).
أما حفلات الزواج يكفي القول بأنها شهدت ميلاد أغنية الحقيبة، كان ذلك في حفل زواج التاجر الامدرماني بشير الشيخ عام 1920، حينما تمرد الطنابرة على عميد الفن السوداني الحاج/ محمد أحمد سرور (1898-1947م). كما شهدت حفلات الزواج مولد العديد من أغاني الحقيبة منها على سبيل المثال أغنية “ظبي الريم” التي كتبها الشاعر/ سيد عبد العزيز في حفل زواج في مدينة المسلمية عام 1930 وتم تلحينها وادائها في تلك الحفلة.
يُعنى هذا المقال بتقديم عرض وصفيّ تحليليّ لحفلات الزواج التي تم التوثيق لها من خلال أغاني الحقيبة، وكذلك معرفة طبيعة واجواء تلك الحفلات، والطقوس التي تُؤدّى فيها، فضلاً عن استكشاف الأجواء النفسية والاجتماعية المصاحبة لها، وتحليل الحالة الوجدانية والعاطفية للحاضرين لها ضمن هذا السياق الثقافي.
انطلاقاً مما سبق بيانه، يصّور الشاعر / مصطفى بطران في قصيدته الغنائية ” صَاحِي سِيب الغفلَة” التي أداها الفنان/ بادي محمد الطيب مشاهد من حفلة زواج مستخدماً في تصويرها قاعدة الأثلاث (Rule of Thirds) لنقل التفاصيل والحيثيات الجميلة الكائنة في الحفلة، على النحو الوارد في البيتين التاليين:
كالحَديقة الزَّاهرة أُمْ نَسيماً فَاح
بِي رَوايِحاً بَاهرة بالمِسك فَوَّاح
إذ إنه يصور الحفلة كحديقة زاهرة تجمع بين ألوان البهاء البصري، ونضارة الازهار الخلّابة، ولاكتمال الصورة يمزج الشاعر لطف النسيم بجمال الألوان ونضارة الازهار من ناحية، وأريج الزهور بطيب مسك حِسَان الحفلة من ناحية أخرى، وبهما تتعبق أجواء الحفلة <>.
كما ابدع الشاعر/ محمد البشير عتيق في تصوّير حفل زواج عربي البارودي الذي أقيم في حي البيان بأم درمان عام 1942، حيث يصف الحفلة بالروضة الغناء التي تحلت بأبهى حُليها وتجمّلت بأجمل أنواع زهورها ولطائفها، فتزّين بها المكان جمالاً وبهاءً والقاً <>، وعلى إثر ذلك تماهى النسيم مع جمال الحفلة بلطفه وصفائه، كما تداعى لها الغيم مظلّلاً اجوائها ليزيدها رونقاً وبهجةً <>، وفي خِضمّ هذا المشهد المتناسق البديع ، يتَّشح حيّ البيان الام درماني بأبهى حلله ويتزّين بأجمل صور حسانه <>، ويختتم الشاعر قصيدته بالتهنئة القلبية الصادقة للعريس <>، وهو أمر دأب شعراء الحقيبة على اختتام قصائدهم عليه، سنتناوله في الجزء الثاني من المقال.
ويرسم لنا الشاعر عبد المطلب أحمد عبد المطلب الشهير ب “حدباي” لوحة فنية آسرة لحفلة زواج صديقه/ محمد عثمان منصور 1926من خلال قصيدته الغنائية التي تغنى بها في ثنائية كل من عبد الكريم عبد الله مختار (كرومة) والأمين برهان” زهر الرياض في غصونه ماح” حيث يصّور الحفل في صورة مترفة الجمال، زاهية الحُسن، إذ إنه يُشبِّه الحفل بالرياض (جمع روضة) وحِسَانه بأزهار ندية تتثنّى نشوةً وتتمايل طرباً على أنغام فنان الحفل الذي يشدو بفصيح القول (الغناء).
تجمعن والشادي صاح ** بي نغمة الشعراء الفصاح
ينعت الشاعر/ حدباي الحفلة بأنها مكتملة الجمال من حيث إنها جمعت بين غناء فصيح مشدُوّ به، وصوت عذب شجيّ يرقص على ألحانه حسان مترعات بالجمال، يسترسل شعرهن المجدول على قوامهن الممشوق القويم، وتكسو الحشمة والوقار ملامح جمالهن، كما في الابيات التالية:
بوصف كمال ليلاتنا ديل ** ما بنسي أصوات الهديل
الراسي أب ديساً جديل** الحشمة أب غصناً عديل
نظّم الشاعر/ خليل فرح عدد من القصائد بمناسبة زيجات أصدقائه، وما يهمنا في هذا السياق هو القصائد الغنائية منها، على سبيل المثال: قصيدة “تم دوره وادور” التي نظمها في زواج صديقه/ محمد عثمان منصور1926″ و” قوم نادي عنان واتباعه” في زواج صديقه/ سليمان كِشه 1925″ و”الشرق لاح” في زواج صديقه/ أحمد امام 1923″.
بيد أنه في قصيدة “قوم نادي عنان” لم يتناول الشاعر وصف حفل زواج صديقه سليمان كِشه، إذ حال بينه وبين حضور المناسبة غفوة غلبته أثناء الرحلة، حينما انطلق به القطار حتى بلغ مدينة ود مدني متجاوزاً مدينة الحصاحيصا، حيث أُقيم حفل الزفاف فيها. وقد اكتفى الخليل بالاعتذار عن ذلك بقوله: “لا تلومني أخوك انغش”، ثم أردف مهنئاً العريس بقوله: “بيت ما وعيال يا كِشه”.
اعذرني اخوك اتغشى ** لا أتعد هواك لا كشا
أذكرني ولو بي قشة ** بيت مال وعيال يا كِشه
في قصيدة “تم دوره وادور” يصف الشاعر بأن البنات في الحفلة يجلسن على السباته (بِرِش) وتفوح من نحورهن الصقلية رائحة الخُمّرة المعتقة ورشح النَّدّ المنسكب من شعورهن المنسدلة، صاقلاً لتلك النحور كما يصقل ماء (العرديب) الخالص من الذهب النفيس.
النحر مغمر ** والسباته حارة** والمجال مضمر
الشعر مخمر** يرشح كله ند** عردب المجمر
وفي مشهد احتفائي بهيج، يصوّر الخليل تفاعل العريس مع أجواء الحفل، حيث يعبّر عن بهجته وسعادته بأخذه للشبّال من الراقصات، وهزه بالسيف على التيجان اللائي يزين رؤوسهن في مشهدٍ احتفاليّ مفعم بالحيوية والجمال.
قام محمد بشر ** هز فوق تيجانن ** سل سيفه وكشر
يوثق الشاعر/ صالح عبد السيد (أبو صلاح) في قصيدته الغنائية ” يا بدور القلعة وجوهرا” التي لحنها وتغني بها الفنان/ كرومة لحفل تم احياؤه بحي القلعة الام درماني، حيث يُعّد النص سجلّ ارشيفيّ وثّق من خلاله لذلك الحفل، منبهاً الذاكرة الجمعية لحاضري الحفل بعدم نسينها لأنها ليلة خالدة احتوت فجمعت، مشهودة بأهالي (حي القلعة) رامز إليهم بشخصية (ابوالحاج) «جلسة يا أبو الحاج اتذكرا»، ويواصل توثيق فعاليات الحفل ليأتي بعبارة: «ورنة الصفارة أتفكرا» مؤكداً بأن صوت الصفارة كوسيلة قادرة على تثبيت تفاصيل المشهد وإعادة استحضاره بدقة حسية عالية. لم يوثق الشاعر للحفل بمعزل عن التوثيق للفاعلين فيه ودورهم في نجاح الحدث الفني أمثال العازف وهبة وفي قوله: «وهبة بي مزيقتو اتحكرا». كما أن القصيدة وثّقت للحالة النفسية والوجدانية الجمعية التي خلقتها الموسيقى، من طرب وحبور ليكمل البعد التوثيقي للحفل باختتامه للقصيدة بـبعد جمالي لحِسَان الحفلة وهن كما وصفهن بالبدور والجواهر: (يا بدور القلعة وجوهرا).

زر الذهاب إلى الأعلى