
✍️ محمد الفاتح حضرة
📌 يأتي هذا المنشور في سياق واقع سياسي وعسكري مضطرب، تتداخل فيه شعارات “رفض التفاوض مع المتمردين” مع ممارسات عملية تقوم على إعادة استيعاب ودمج بعض القيادات التي كانت جزءًا من حركات مسلحة أو صراعات سابقة داخل بنية الدولة أو المشهد العسكري
هذا التناقض يفرض سؤالًا جوهريًا لم يعد يمكن تجاهله:
هل نحن أمام مشروع سلام قائم على رؤية متماسكة، أم أمام إدارة للأزمة عبر إعادة تدوير الخصوم داخل السلطة؟ 🤔
🛑 أولًا: ازدواجية الخطاب بين المعلن والواقع
من الملاحظ أن بعض القوى السياسية والعسكرية الداعمة للجيش ترفع في خطابها العلني شعارات من قبيل:
“لا تفاوض مع المتمردين” و“لا شرعية لحاملي السلاح ضد الدولة”
لكن في الواقع العملي، شهدنا عودة بعض القيادات المنتمية سابقًا للدعم السريع أو الحركات المسلحة مثل النور القبة ومحمد بقال سراج وأبوعاقلة كيكل، عبر تواصلات وتسويات غير معلنة، ثم تم استقبالهم واحتواؤهم داخل المشهد السياسي أو العسكري
وهنا تظهر المفارقة الخطيرة ‼️
إذا كانت العودة والتسويات ممكنة مع بعض القيادات، فلماذا يُغلق الباب تمامًا أمام أي مسار تفاوضي شامل مع الطرف الرئيسي في الصراع نفسه؟
🧐🫵هذا التناقض لا يمكن قراءته كمبدأ ثابت، بل كموقف سياسي مرن يُستخدم حسب الحاجة، لا حسب قاعدة أخلاقية أو وطنية مستقرة
والنتيجة أن “رفض التفاوض” يتحول من شعار لإنهاء الحرب إلى أداة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل التحالفات داخله، دون معالجة أصل الأزمة .
🛑⚖️ ثانيًا: لا سلام بلا عدالة… لا دولة بلا مساءلة
هنا تظهر النقطة الأخطر في كل مسار التسويات
ففي القانون العام ومبادئ العدالة الانتقالية، لا معنى لأي “سلام سياسي” إذا لم يُبنَ على:
مساءلة واضحة
حماية الحق العام
وعدم إسقاط الحق الخاص للضحايا
الدولة قد تمتلك سلطة سياسية في اختيار وقف الحرب أو الدخول في تسوية، لكن لا تملك حق إسقاط الحقوق الخاصة للضحايا والمتضررين
فحقوق الدماء والتعويضات والجبر ليست ملكًا للسلطة السياسية حتى تُسقطها بتفاهمات، بل هي حقوق ثابتة تستوجب:
جبر الضرر
التعويض
والمساءلة القضائية بحسب القانون
وهنا يبرز الدور المفترض لأجهزة العدالة:
النيابة العامة والقضاء السوداني، باعتبارهما الحارسين الطبيعيين للحق العام وضمان عدم تحول التسويات إلى إفلات كامل من العقاب أو طمس للحقوق
🛑 ثالثًا: المنهج الإسلامي في الصلح والعدالة
في التصور الإسلامي، الصلح مشروع ومطلوب متى ما أدى إلى وقف القتال، لكن بشرط ألا يتحول إلى إهدار للعدالة
قال تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾
لكن هذا الميل للسلم لا يعني إسقاط الحقوق أو تحويل الصلح إلى صفقة سياسية، لأن المقصد الشرعي هو:
حفظ الدماء
رفع الظلم
إقامة العدل
ومنع إعادة إنتاج الفتنة
وفي التاريخ الإسلامي، لم يكن الصلح مرادفًا لإفلات من المسؤولية، بل كان جزءًا من منظومة تمنع تكرار الظلم وتُبقي للعدالة وزنها
🛑 رابعًا: لماذا لا تنجح تسويات الاستقطاب؟
التجربة السودانية تكاد تقدم نموذجًا متكررًا:
حرب → تفاوض → شراكة → انقسام جديد → حرب جديدة
والسبب أن التسويات غالبًا ما تركز على “الفاعلين” لا على “الأسباب”
أي إعادة تدوير الأشخاص داخل السلطة بدل معالجة جذور حمل السلاح وبنية الصراع نفسها 😡
وهذا ما يجعل أي استيعاب جزئي لبعض القيادات غير قادر على منع انفجار جديد، بل قد يساهم في إنتاجه لاحقًا داخل دوائر مختلفة
🟢🛑 الخاتمة
الخلاصة التي تؤكدها التجربة السودانية بوضوح هي أن:
ازدواجية الخطاب في رفض التفاوض مقابل قبول الاستيعاب الجزئي تعني أن الحرب تُدار أكثر مما تُحل
لكن الأخطر من ذلك أن أي تسوية لا تقوم على العدالة، تتحول تلقائيًا إلى هدنة مؤقتة لا أكثر
فالقاعدة التي لا يمكن تجاوزها في أي دولة مستقرة هي:
لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة، ولا دولة بلا احترام للحق العام والحق الخاص معًا
وفي غياب ذلك، تصبح كل التسويات مجرد إعادة تدوير للأزمة لا إنهاءً لها 🛑
#السودان
#العدالة
#وقف_الحرب
#سيادة_القانون



