
خالد كودي، بوسطن
أصدرت ما يُسمى بـ”قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية”، على لسان ناطقها الرسمي جمعة الوكيل، بتاريخ 6 مايو 2026، بيانًا يثير مفارقة سياسية وتاريخية عميقة؛ ليس فقط بسبب انتقائيته الواضحة في تناول قضية المدنيين والانتهاكات، وإنما أيضًا بسبب الجهة السياسية التي يصدر عنها، وسجلها الطويل في التعايش مع بنية السلطة في السودان التي ارتكبت — وما تزال ترتكب — انتهاكات واسعة وممنهجة بحق المدنيين في السودان عمومًا، وفي جبال النوبة على وجه الخصوص. والأخطر من ذلك أن البيان، يسعى عمليًا إلى تكريس الانقسامات وإثارة النعرات القبلية بين المكونات الاجتماعية في جبال النوبة، عبر توظيف خطاب سياسي وإعلامي يقوم على الاستقطاب والتخويف ومحاولة إنتاج شكوك متبادلة داخل مجتمع ظل هدفًا تاريخيًا لسياسات “فرّق تسد” التي استخدمتها السلطة المركزية لعقود.
فالقضية هنا ليست في مبدأ إدانة أي انتهاك ضد المدنيين، أيًا كان مرتكبه، وهو مبدأ مشروع وضروري متى ما وقع انتهاك حقيقي، وإنما في غياب الحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي والسياسي لدى قوى ارتبطت عمليًا بسلطة بورتسودان وتحركت داخل فضائها السياسي والأمني، وظلت تردد، ليل نهار، “شعب واحد، جيش واحد”، دون أن تُعرف يومًا بموقف ثوري أو معارض أو ثابت تجاه الجرائم الواسعة التي ارتكبتها الدولة السودانية وأجهزتها العسكرية منذ تأسيسها وحتى اليوم، بما في ذلك الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها لاتزال وترتكبها سلطة البرهان خلال الحرب الحالية.
إن هذه المجموعة، التي تقدم نفسها اليوم بوصفها مدافعًا عن المدنيين والقانون الدولي الإنساني، لم يُسمع لها صوت مماثل حين كانت الطائرات الحربية التابعة للدولة السودانية التي يؤيدونها تقصف المدارس والأسواق والتجمعات المدنية في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور. مثلا، في 14 مارس 2024، قصفت طائرة “أنتينوف” تابعة لسلاح الجو السوداني مدرسة الهدرا الأساسية بمنطقة الهدرا في مقاطعة دلامي بجبال النوبة، وأسقطت براميل متفجرة بصورة مباشرة على المدنيين والمرافق المحيطة بالمدرسة. كما شهدت منطقة كمو قرب كاودا، بتاريخ 29 نوفمبر 2025، قصفًا استهدف مدرسة ومرافق طبية مجاورة، وأدى إلى مقتل 48 مدنيًا، معظمهم من الأطفال، وغيرها من الاعتداءات الموثقة. ومع ذلك، لم تصدر عن هذه القوى بيانات بذات اللغة التي تستخدمها اليوم، او باي لغة حتي، ولم نرَ منها حملات تعبئة أو دعوات عاجلة للتحقيق الدولي أو محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم الموثقة، بل بالعكس، ظلت تردد ببغائيا: جيشا واحد شعبا واحد- وهي مترددة، وأسيرة لحسابات المركز وما يمنحه من فتات السلطة والامتيازات.
أمر ما يُسمى بـ”قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية” محض تواطؤ سياسي صريح مع السلطة التي تمثل الامتداد المباشر لبنية السودان القديم. لم تكن هذه المجموعة حاضرة عندما تعرض أبناء الهامش ولايزالوا في الجزيرة وغيرها للقتل والتهجير وحرق القرى وهدم المنازل على يد المليشيات المرتبطة بالإسلاميين وبالمؤسسة العسكرية كما هو معروف وموثق، والمؤسسة العسكرية هي المؤسسة التي ظلت تاريخيًا تغذي الانقسامات بين المجتمعات، وتسلح بعضها ضد البعض الآخر ، وتشعل الحروب ضمن سياسات “فرّق تسد” وإدارة الهامش بالعنف؟ وأين كانت الكتلة الديمقراطية هذه عندما تعرض أبناء النوبة وغيرهم من المهمشين في الخرطوم والمدن الواقعة تحت سيطرة الجيش للاستهداف على أساس الهوية، والاعتقالات التعسفية، والإهانات العنصرية، وحملات “الوجوه الغريبة” التي حولت مواطنين سودانيين إلى غرباء داخل وطنهم!؟
لقد ظلت “قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية” كغيرها من كيانات الخنوع توفر الغطاء السياسي والإعلامي للمؤسسة العسكرية دون مواربة، رغم علمها الكامل بأن القصف العشوائي، والحصار، والتنكيل بالمدنيين في جبال النوبة وغيرها، تتم جميعها تحت سلطة الجيش ذاته الذي تدافع عنه وتتبنى خطابه السياسي.
ولهذا، فإن الحديث المفاجئ عن “القيم الإنسانية” و”القانون الدولي الإنساني” يبدو فاقدًا لأي سند أخلاقي او معرفي حتي حين يصدر عن قوى نشأت وتحركت داخل الفضاء السياسي نفسه الذي رعَى بنية الحرب والإفلات من العقاب لعقود طويلة. فلا يمكن لمن تجاهل ملايين الانتهاكات، أو بررها بالصمت والانحياز السياسي، أن يقدّم نفسه فجأة بوصفه مرجعية أخلاقية محايدة. كما لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الدور الذي ظلت تقوم به الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة لحكومة السودان، والتي اعتمدت تاريخيًا على تمويل وتوجيه ودعم كل ما من شأنه خلق الانقسامات داخل المجتمعات المعارضة للسلطة، عبر صناعة الكيانات الموازية، وتغذية النزاعات المحلية، واستخدام الدعاية والأكاذيب والحرب النفسية لتفكيك الحواضن الاجتماعية لمصلحة استمرار النظام ببنية السودان القديم، وللمشروعات السياسية المنبطحة له.
وفي المقابل، فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، رغم كل تعقيدات الحرب وطبيعة الصراع الممتد، ظلت تطرح نفسها سياسيًا وتنفيذيا بوصفها مشروعًا مرتبطًا بقضايا المجتمعات المهمشة، لا بوصفها قوة قائمة على إبادة أي كان أو الانتقام الإثني من أيا كان. بل إن أحد اهم أسباب استمرارها لعقود وصعودها هو ارتباطها الاجتماعي والسياسي العميق بمجتمعات جبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها من مناطق الهامش. ومن هنا يبرز السؤال المنطقي الذي يتجنب هذا الخطاب الإجابة عنه: ما المصلحة السياسية أو الاستراتيجية لحركة تشكلت تاريخيًا من رحم هذه المجتمعات أن تدخل في مشروع استهداف ممنهج لحواضنها الاجتماعية التقليدية؟
التجربة العملية في مناطق سيطرة الحركة الشعبية خلال السنوات الأخيرة أظهرت — رغم كل التحديات — مستوى مختلفًا ومتقدما في الإدارة المدنية، والانضباط الأمني، وتنفيذ مبادئ سيادة القانون، وتنظيم الحياة المجتمعية، مقارنة بما عرفته مناطق سيطرة حكومات الخرطوم عبر تاريخها. فقد عملت السلطة المدنية للسودان الجديد في مناطق سيطرة الحركة الشعبية على بناء هياكل إدارية ومجتمعية، وتنظيم الخدمات المحلية، وإدارة التنوع الاجتماعي والديني بدرجة من الاستقرار والانفتاح تتفوق بوضوح على الأوضاع السائدة في كل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. وقد تحقق ذلك في بيئة ظلت لعقود هدفًا للحصار والقصف والعزل السياسي والاقتصادي والدعاية المضادة. وهذا يكشف فارقًا جوهريًا بين مشروع يسعى إلى بناء شرعية اجتماعية عبر المشاركة والتنظيم المجتمعي، وسلطة تاريخية قامت على القمع العسكري، والهيمنة المركزية، وإدارة السودان بمنطق الإخضاع بالقوة.
من أسوأ ما جاء في بيان مايسمي ب “الكتلة الديمقراطية” ليس انتقائيته الواضحة، ولا تعبيره عن استراتيجية القوات الأمنية السودانية فقط، بل ولا تبنيه الفاضح لخطاب وموقف “جيش واحد، شعب واحد” الذي استُخدم تاريخيًا لتبرير هيمنة المركز وإقصاء الهامش، بل محاولته إعادة إنتاج السردية القديمة نفسها: اختزال الأزمة السودانية في أحداث صُمِّمت ونُفِّذت ومُوِّلت داخل البنية السياسية والأمنية ذاتها التي يعبر عنها هذا الخطاب، ثم توظيفها سياسيًا ضد خصوم السلطة، مع تجاهل البنية العميقة للعنف التاريخي الممتد الذي مارسته الدولة السودانية ضد المجتمعات المهمشة لعقود طويلة.
ولهذا فإن أي حديث عن العدالة وحماية المدنيين لا يكتسب أي مصداقية حين يصدر عن قوى تؤيد جيشًا لم يرتبط تاريخه السياسي إلا بالقمع وقتل المدنيين وسحق المجتمعات التي يفترض أنه يمثلها، أو عن جهات ترفض الاعتراف بتاريخ الدولة السودانية نفسها، وبمسؤولية النخب السياسية والعسكرية التي تعايشت مع هذا العنف، واستثمرت فيه سياسيًا لعقود، وما تزال تفعل ذلك حتى اليوم.
أما الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد، فليسا جديدين على حملات التشويه والدعاية السياسية؛ بل يمكن القول إن الحملات التي شنتها القوى المتواطئة مع بنية السودان القديم ضد الحركة لم تتوقف منذ لحظة تأسيسها. فقد جرى تصوير الحركة، وفقًا لمقتضيات كل مرحلة سياسية، تارة كخطر إثني، وتارة كمشروع انفصالي، وتارة كأداة خارجية، في محاولة مستمرة لعزلها وتشويه مطالبها الجوهرية.
لكن ما أبقى مشروع السودان الجديد حاضرًا ومؤثرًا لم يكن قوة الخطاب التعبوي أو مهارة الدعاية المضادة، وإنما قدرته العملية على ترسيخ مبادئ وقوانين أكثر عدالة داخل مناطق سيطرته، والتعبير عن قضايا المجتمعات المهمشة دون تمييز، بما في ذلك مجتمع أهلنا الأطوروا وغيره من مكونات جبال النوبة والسودان. كما ارتبط المشروع بأسئلة جوهرية تتعلق بالعدالة التاريخية، والمواطنة المتساوية، والعلمانية، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تُنهي احتكار المركز للسلطة والثروة والهوية، وتفتح الطريق أمام سودان يقوم على المساواة والشراكة الحقيقية بين جميع شعوبه، لا على الهيمنة والإقصاء كما كان الحال لعقود طويلة.



