
كتب: عثمان الغتنيني
كعادتي، ذهبت إلى مدينة الريدة الشرقية.. والناس في هذه البلدة كلٌ في مجال عمله. ما لفت نظري هناك شقيقان من كبار السن يجلسان كل يوم على دكة بيت قديم، وكل يوم يتحدثان عن قضية من قضايا اليمن التي ما أكثرها، وخاصة السياسة. هذا مع، والآخر ضد. والعجيب في الشقيقين أنهما مختلفان تماماً، ليس كرهاً في أخيه، بالعكس، وإنما ليحلو الحديث، ولا بد أن يكون بينهما اتجاه معاكس. لكن لا توجد هناك مشاجرة قوية، وإنما على طريقة المزاح، من أجل أن يستمتع الشباب بالجلسة معهم.. ومع كوب الشاي الذي يمتاز بذوق خاص.
هذان الصنوان، رغم أنهما أخوة، لكنها أول مرة نرى أخوة مثلهما. فعادةً ما يكون الإخوة متفرقين، خاصة في الأسواق العامة.
والأعجب من ذلك أن الشباب روّاد الدكة يقولون: إذا تأخر أحد الصنوان، لا تحلو جلسة الدكة البتة. كأن الحديث لا يكتمل إلا بوجود النقيضين. فغياب أحدهما يُفقد النقاش ملحه، ويُفقد الشاي نكهته، ويتفرق الشباب سريعاً لأن الدكة ناقصة.
جلستُ معهما عصر ذلك اليوم. الدكة من حجر البحر القديم، باردة رغم حر الريدة، وكأنها تشرب من ظل البيت العتيق… وبينهما الشاي الأحمر الذي تفوح منها رائحة الهيل البلدي.
قال الأول وهو يرتشف من كوبه: على الحكومة أن توفر المحروقات لا بترول ولا ديزل يباع على قارعة الطريق بأسعار خيالية..
فيقاطعه الثاني ضاحكاً: أي حكومة الله يهديك؟ ما عاد درينا من يحكمنا
فيضحك الشباب الملتفون حولهم، ويرد الأول: اختلف معي بس لا ترفع صوتك، الشاي بيبرد
هنا فهمت سرّ دكتهم. هم لا يتصارعون ليغلب أحدهم الآخر، بل يتناغمون كعودين في دان حضرمي. الخلاف بينهما ملح الجلسة وسكرها. أحدهما يشعل النقاش، والثاني يطفئه بضحكة، ثم يعودان ليتفقا أن حال البلاد ما يسرّ ويدعوان لليمن بالفرج.
سألتُ شاباً يجلس قربهما: لماذا تجتمعون هنا كل يوم؟
قال: يا عم عثمان، هذولا بركة الريدة. نجي نتعلم كيف نختلف بدون ما نكره بعض. في زمن صار الأخ يقطع أخوه عشان متر أرض، هم يعلّمونا إن الدم عمره ما يصير ماء.
الحقيقة يا سادة، أن دكة الصنوان صارت مدرسة. مدرسة بلا سبورة ولا طباشير، لكن فيها درس عظيم: الأخوّة أقوى من السياسة، والودّ أبقى من الرأي.
غادرتُ الريدة الشرقية ذلك اليوم وأنا أحمل في قلبي سؤالاً: كم نحتاج من الصنوان في كل مدن اليمن؟ كم نحتاج من دكةٍ يجتمع عليها المتخاصمون ليكتشفوا أن القواسم المشتركة أكثر من نقاط الخلاف؟
حفظ الله الشقيقين، وأدام دكة زمان، وكوب الشاي الذي جمع القلوب قبل أن يجمع الأجساد.



