الأعمدة

نعيش الآن في وطن تحوّل فيه الجندي إلى رقم، والمواطن إلى أثر، والأسير إلى ورقة تفاوض ومادة لابتزاز

في زمن تتقاذفه النيران وتعلو فيه أصوات البنادق على أنين الأمهات، تُطلّ علينا مناشدة موجعة من أهالي الأسرى في السودان، ليستخ بيانًا سياسيًا ولا خطابًا دعائيًا، بل صرخة إنسانية خالصة من قلوب مكلومة فقدت أخبار أبنائها منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة في أبريل 2023. صرخة لا تطالب بشيء سوى الحق الأبسط: أن يعرف الإنسان مصير أحبّته، أن يطمئن بأن فلذة كبده حي يُرزق، أو أن يحظى –إن كان قد مات– بحق الحداد عليه.
هذا النداء الموجّه إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، لا ينطوي على مزايدة، ولا يحمل أي أجندة، سوى استغاثة من أسر سودانية تنام وتستيقظ على وجع الانتظار. عائلات لا تطلب تحريرًا بطوليًا ولا مشاهد استعراضية، بل تطالب بما يكفله القانون الدولي وكل أعراف الإنسانية: الكشف عن مصير الأسرى، وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، ومعاملتهم بما يليق بالبشر، لا بالأرقام.
لكن الحيرة تسيطر، لا لأن البيان غير واضح، بل لأنّ هذه الحرب باتت تفقد كل ما هو واضح. نحن في واقع ينهار فيه المنطق، وتتكسّر فيه قواعد الحرب كما تتكسر البيوت فوق رؤوس المدنيين. لم تعد هناك خطوط حمراء، ولا التزامات أخلاقية. من يقودون المعارك لا يكترثون بما يحدث خلف الجبهات، ومن يحرّضون على القتال من أبراجهم العالية لا يسمعون بكاء الأمهات ولا يرون دموع الأطفال.
لقد فقدنا أصدقاءنا، أقاربنا، ضباطًا في الجيش، مواطنين، شبانًا اختفوا في لمح البصر، في معركة لا نهاية لها. نعيش الآن في وطن تحوّل فيه الجندي إلى رقم، والمواطن إلى أثر، والأسير إلى ورقة تفاوض أو مجرد مادة لابتزاز العدو على وسائل التواصل الاجتماعي.
هي حرب لم تَعُد تدور رحاها لأجل قضية، ولا من أجل وطن، بل لأجل صور تُنشر، ومقاطع تُبثّ، وصرخات يُستثمر فيها سياسياً. وما بين متاجري الموت وعرّابي الخراب، يُسحق الإنسان السوداني كل يوم، في الفاشر، في ام صميمة، في نيالا، في المعسكرات التي فتك بها الجوع والوباء. بل حتى في مسألة التفاوض لفتح ممرات آمنة، أو لإيصال دواء، أو لفك الحصار –كما طرح مناوي أخيرًا– تقوم الدنيا ولا تقعد، لا لشيء سوى أن أطراف الحرب تخاف من أي هدنة تهدد نهمها إلى الدم والدمار.
أين نحن من اتفاقيات جنيف؟ أين نحن من المبادئ الأساسية للأسر؟ من يُحاسب على مصير هؤلاء المختفين قسرًا؟ هل المطلوب من الأسر أن تُسلّم بأن أبناءها ماتوا دون دليل، أو أن تتعايش مع الصمت، في ظل غياب أي مبادرة، لا من المجتمع الدولي ولا من قيادة الجيش ولا من الطرف الآخر الذي يحتجزهم؟
هذه ليست مناشدة فقط.. بل اتهام صارخ لنظام أخلاقي انهار بالكامل، لطبقة سياسية وعسكرية لم تَعُد ترى الشعب إلا كأدوات، ولقادة لا ترف لهم عين أمام بكاء الأمهات ولا تنكسر قلوبهم أمام جثث الصغار.
إنها حرب الندامة بحق. حرب لا تُنتج سوى المزيد من العار، المزيد من الضياع، والمزيد من اليأس. لكن رغم كل شيء، تبقى هذه الأصوات المنكسرة هي صوتنا الأخير، صوتنا الباقي في وجه هذا الجحيم، صرخة نكتبها اليوم لعلّها توقظ ما تبقّى من ضمير في هذا البلد الذي ينهار.
فلينصت البرهان، ولينصت حميدتي، ولينصت من يموّلونهم ويهتفون لهم. الأسرى ليسوا أوراق تفاوض. الأسرى بشر، ولأهاليهم الحق أن يعرفوا الحقيقة
ولاحول ولاقوة إلا بالله
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى