الأعمدة

العدالة النسوية في السودان.. من كسر الصمت إلى بناء مسار الفعل

خالد محمد طه
في سياقٍ بالغ التعقيد كالذي يعيشه السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، لا تُقاس المأساة فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل أيضاً بدرجة الصمت الذي يحيط بما يحدث. وفي هذا المشهد، تتخذ معاناة النساء والفتيات أشكالاً مركبة، تجعل من العدالة سؤالاً ملحاً لا يحتمل التأجيل أو الاختزال. من هنا، تبرز العدالة النسوية ليس كشعارٍ معزول، بل كمدخل تحليلي وعملي لفهم أعمق لطبيعة الأزمة، وكأفقٍ للعمل يتجاوز حدود الخطاب إلى صناعة الفعل.
الدعوة لتحقيق العدالة النسوية في السودان ليست مفهوماً معلقاً في فراغ نظري، بل إطار لفهم نتاج التراكمات السلوكية والمفاهيمية، وكيف تتقاطع الحرب مع أجساد النساء وحياتهن اليومية، وكيف تعيد النزاعات تشكيل علاقات القوة داخل المجتمع. في هذا السياق، لا تُفهم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء -من عنف جنسي واستغلال اقتصادي وإذلال إجتماعي وإقصاء من الموارد- بوصفها نتائج جانبية للفوضى، بل كجزء من منطق الحرب نفسه، حيث يُستخدم العنف أداة للسيطرة والإخضاع.
هذا الفهم يفرض ضرورة قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو، ويؤكد أن ما تتعرض له النساء ليس عرضاً هامشياً، بل تعبير عن بنية أعمق من الهيمنة. وعليه، فإن أي مقاربة لا تربط بين هذه الانتهاكات وسياقها البنيوي تظل قاصرة عن الوصول إلى جوهر المشكلة.
في مواجهة هذا الواقع، يبرز التوثيق كأداة مركزية، لكن ليس بوصفه مجرد عملية جمع معلومات، بل كفعل سياسي يهدف إلى كسر الصمت وإخراج الانتهاكات من دائرة الإخفاء. فحين تُروى الشهادات وتُعرض القصص، لا يُحفظ فقط ما حدث، بل يُعاد تعريف موقع الضحية في المجتمع، وتُفتح إمكانيات المساءلة. فالسكوت لم يكن يوماً حياداً، بل أحد شروط استمرار العنف.
لذلك، يصبح كسر الصمت خطوة أولى نحو تحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل. غير أن هذا المسار لا يتوقف عند التوثيق، بل يتجاوزه إلى بناء أدوات قادرة على التأثير في شروط إنتاج العنف نفسه.
ما وراء الفعاليات .. من النشاط إلى المسار
لا يستقيم أن يُختزل العمل العام في فعاليات متفرقة -ندوات، ورش، تقارير، أو مذكرات- توصف لدى البعض كأدوات تخدير مؤقت أو تهدئة للضمير الجمعي، لأن هذا الاختزال يُفرغ الفعل الإيجابي من مضمونه. و لأنه في المقابل، تطرح مقاربة العدالة النسوية -التي إفترعتها هذه الحملة ونهضت بها- تصوراً مختلفاً يقوم على بناء مسار مستمر، تتكامل فيه الأدوات ولا تُختزل فيه الغايات. ضمن هذا المسار، تُستخدم الندوات والورش كوسائل مرحلية لبناء التضامن وتوسيع النقاش، لا كأهداف نهائية، ويشمل العمل بناء وعي مجتمعي يواجه التطبيع مع الانتهاكات، ودعم أشكال التنظيم النسوي في الأحياء ومواقع النزوح وبيئات العمل، إلى جانب تطوير أدوات الضغط والمناصرة دون التعويل عليها وحدها. هذا الانتقال من “الفعالية” إلى “المسار” يعكس فهماً للتغيير الفعلي بوصفه عملية تراكمية، تتطلب نفساً طويلاً، وتستند إلى الربط بين الرؤية والوعي والتنظيم والفعل الجماعي لا العطالة عن تقديم الحلول والهتاف المنفرد والتمترس المعزول.
إحياء الضمير كشرط للفعل السياس في مجتمعات أنهكتها الأزمات، يصبح اعتياد العنف و الألم أحد أخطر مظاهر الانهيار، حين يتحول العنف إلى خبر عادي، تفقد المجتمعات حساسيتها، ويصبح التغيير أكثر صعوبة. من هنا، تضع رؤية العدالة النسوية مسألة إحياء الضمير في قلب عملها، ليس كدعوة أخلاقية مجردة، بل كشرط عملي لأي فعل سياسي -وإحياء الضمير هنا يعني كسر اللامبالاة، ومواجهة ثلاث خطابات متوازية هي خطاب التبرير وخطاب الصمت وخطاب التخوين والتصنيف المسبق- كما يعني تحويل التعاطف إلى موقف، والموقف إلى التزام، بما يعيد ربط الإنسان بمسؤوليته تجاه ما يحدث حوله.
أيضاً تشخيص العرض والمرض معاً مهمة لازمة، فالتركيز على النتائج دون الأسباب يُعد من التحديات الأساسية في التعامل مع الانتهاكات، ويظل العنف، مهما كان فادحاً، عرضاً لخلل أعمق في بنية السلطة والاقتصاد.
لذلك، تسعى حملة العدالة النسوية إلى الإمساك بالخيطين معاً (تشخيص الانتهاكات بوصفها واقعاً ملموساً، وربطها بجذورها البنيوية) لكن هذا الربط لا يقوم على ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، بل على تواضع معرفي يفتح المجال لتعدد الخبرات والتجارب، وهو شرط ضروري لبناء عمل جماعي قادر على الاستجابة لتعقيدات الواقع.
دعم المبادرات المدنية وتجاوز التصنيفات البالية
تبرز أهمية دعم المبادرات التي تقودها القوى المدنية، خصوصاً ذات الطابع الاجتماعي، باعتبارها من أهم روافع الفعل الحقيقي في ظل انهيار البنى الرسمية وعجزها. هذه المبادرات، بما تمتلكه من قربٍ من الواقع وقدرة على الاستجابة المباشرة، تمثل مساحات حيوية لإعادة بناء الثقة، وتعزيز التضامن، وإنتاج أشكال جديدة من العمل العام.
لكن هذا الدعم يفقد معناه حين تُسقط على هذه المبادرات تصنيفات سياسية جاهزة، أو تُقاس بمعايير بالية ومتكلسة، لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو توجيهه، فإخضاع الفعل الجديد لأدوات وذهنية تحليل قديمة لا يؤدي إلا إلى إعاقة تطوره، وإفراغه من إمكاناته.
إن إنتاج أهداف متقدمة -كالعدالة، والتحرر، وإعادة بناء المجتمع- لا يمكن أن يتم عبر وسائل متخلفة، أو عبر إعادة تدوير ذات الخطابات التي ساهمت في خلق الأزمة من مواقع ومنطلقات وخطابات مختلفة.
لذلك، فإن تجديد أدوات التحليل والفهم والعمل ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة المرحلة، في ظل تعقيد المشهد السوداني، تميل بعض الخطابات إلى الحياد أو المواقف الرمادية، لكن فكرة العدالة النسوية ترفض هذا الحياد الزائف، وتنطلق من موقف واضح يقوم على رفض العنف بكل أشكاله، وعلى إدراك أن من يمارس الانتهاكات لا يمكن أن يكون جزءاً من حلها.
هذا الوضوح لا يعني التبسيط، بل محاولة لتجنب الازدواجية التي أربكت العمل العام، وإعادة تعريف الموقف السياسي بوصفه انحيازاً أخلاقياً ومعرفياً للضحايا، دون الوقوع في فخ التسييس الضيق.
النساء كفاعلات في صناعة التغيير

من أبرز التحولات التي تطرحها هذه المقاربة، إعادة تعريف موقع النساء من ضحايا إلى فاعلات، فالنساء لسن مجرد متلقيات للأذى أو موضوعات للحماية، بل قادرات على التنظيم والمبادرة والمطالبة بحقوقهن.
هذا التحول ينعكس عملياً في كيفية تصميم المبادرات، وبناء التحالفات، وتحديد الأولويات. فالعدالة لا تُصنع للنساء، بل تُصنع معهن وبواسطتهن، وهو ما يمنح العدالة طابعاً أكثر استدامة وارتباطاً بالواقع.
لا تنتظر رؤية وحملة العدالة النسوية حلولاً تُمنح من أنظمة مأزومة، ولا تراهن على قوى تعيد إنتاج ذات الانتهاكات، بل تنطلق من فكرة أن العدالة تُنتزع عبر نضال اجتماعي وسياسي طويل، متعدد الأدوات، هذا النضال يشمل التوثيق، والمناصرة، والتنظيم، والجهد القانوني والحقوقي، والعمل الإعلامي، والضغط السياسي، و في جوهره يسعى إلى تحويل الوعي إلى قوة، والتضامن إلى قدرة على التأثير، وهو مسار لا يهدف إلى تسكين الألم، بل إلى تغيير الشروط التي تنتجه. لا تدّعي مقاربة عدالة نسوية -التي هي نتاج جهد وإسهام كل المشاركات/ين في الحملة- امتلاك كل الإجابات، لكنها تطرح محاولة جادة لإعادة ربط ما انقطع بين الألم والسياسة، بين الشهادة والفعل، بين النساء وقضايا المجتمع ككل، ففي بلدٍ تُهدده الحرب من كل جانب، يصبح سؤال العدالة أكثر من مجرد مطلب حقوقي؛ بل سؤالاً عن شكل المستقبل نفسه.
وفي هذا الأفق، لا يمكن أن تبقى النساء في الهامش، ولا أن يُختزل الفعل المدني في قوالب جامدة. فإما أن تُفتح المساحات أمام المبادرات الحية لتتطور وتُسهم في صياغة البدائل، أو يبقى الجواب ناقصاً، وتبقى الأزمة تعيد إنتاج نفسها بأدواتها القديمة.

زر الذهاب إلى الأعلى