الأعمدة

الاحتفاء بعودة الجنجويد: تعبير عن وحدة البنية بين الجيش المختطف ومليشياته وآلة العنف

ضياء الدين محمد احمد
ما يجري اليوم ليس تناقضاً بين قوى متباينة، بل هو تعبير مباشر عن وحدة البنية التي تحكم السودان عبر أدوات عنف متعددة. إن ما يُسمى بالجيش المختطف ومليشياته، وما يُعرف بالجنجويد، ليسا طرفين متقابلين في مشروعين مختلفين، بل تمظهرين مختلفين لنفس المنظومة التي تأسست على تحالف السلطة والثروة، واتخذت من العنف وسيلتها الأساسية لإخضاع المجتمع وإعادة إنتاج السيطرة.
إن الخطأ التحليلي الذي يُربك قطاعات واسعة من الناس هو البحث عن “طرف أقل سوءاً” داخل هذه المعادلة، أو التعويل على إمكانية أن يتخذ الجيش المختطف ومليشياته موقفاً مبدئياً ضد الجنجويد. هذه قراءة تتجاهل أن الطرفين يتقاسمان نفس الوظيفة التاريخية: قمع الجماهير، كسر الفعل الثوري، وتأمين استمرار الهيمنة، مهما تبدلت مواقعهم داخل مشهد الصراع.
فالجيش المختطف ومليشياته لم يكن يوماً نقيضاً للجنجويد، بل كان دائماً في علاقة مركبة معهم: صناعة، استخدام، تنافس، ثم إعادة دمج. هذه العلاقة لا تحكمها القيم أو “الوطنية”، بل تحكمها موازين القوة داخل نفس المعسكر الطبقي. لذلك فإن استقبال قادة الجنجويد، أو إعادة تأهيلهم، لا يمثل انحرافاً، بل يعكس الطبيعة الحقيقية لهذه المنظومة التي لا ترى في القتل عائقاً سياسياً، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف.
وفي المقابل، فإن الجنجويد لم يكونوا قوة خارجة عن هذا الإطار، بل أداة من أدواته التي تطورت وتمددت حتى دخلت في صراع مباشر على السلطة. ومع ذلك، ظل جوهر الدور ثابتاً: ممارسة العنف ضد المجتمع، تفكيك البنى المدنية، وتحويل حياة الناس إلى مجال مفتوح للنهب والإرهاب. وحين يلتقي الجنجويد مع الجيش المختطف ومليشياته، فإن ما يجمعهما ليس مجرد تسوية ظرفية، بل وحدة الهدف في مواجهة العدو الحقيقي: الثورة والثوار.
هنا تتضح الحقيقة الصارمة: كل هذه القوى، رغم اقتتالها، تتفق استراتيجياً على ضرب الثورة. فالثورة، بما تمثله من إمكانية لإعادة توزيع السلطة والثروة، تمثل تهديداً وجودياً لهذه المنظومة بأكملها. لذلك فإن كل تحركاتهم—حرباً كانت أو تسوية—تدور في إطار واحد: منع تشكل بديل شعبي مستقل، وإبقاء الجماهير تحت السيطرة، سواء عبر الرصاص أو عبر صفقات إعادة التقاسم.
إن تبدل مواقع القتل لا يغير من طبيعته. القاتل يظل قاتلاً، سواء ارتدى زي الجنجويد أو بدلة الجيش المختطف ومليشياته. وما يتغير هو الشكل، أما المضمون فواحد: عنف موجه ضد الشعب، وضد أي محاولة لكسر معادلة الهيمنة. لذلك فإن التعويل على اختلافات ظاهرية بين هذه القوى هو إعادة إنتاج للوهم، وإضعاف للوعي الضروري لبناء موقف ثوري واضح.
أما الحديث عن “الحق العام” وسقوطه، فليس سوى امتداد لهذا المنطق. إنه ليس طرحاً قانونياً بقدر ما هو تعبير عن إرادة سياسية تسعى لتفريغ الجرائم من محتواها الاجتماعي، وتحويلها إلى قضايا فردية معزولة، في سياق يضمن إفلات الجناة. بهذه الطريقة، تُعاد صياغة الجريمة الجماعية بحيث لا تعود جريمة ضد الشعب، بل عبئاً على الضحايا أنفسهم، وهو ما يخدم مباشرة استقرار المنظومة.
إن المعركة، في جوهرها، ليست بين الجيش المختطف ومليشياته من جهة، والجنجويد من جهة أخرى، بل بين هذه المنظومة ككل وبين الشعب السوداني، وبالأخص قواه الثورية. وكل تحليل لا ينطلق من هذه الحقيقة سيظل أسير السطح، عاجزاً عن إدراك أن ما يبدو صراعاً هو في حقيقته إعادة ترتيب داخل نفس البنية.
بالتالي، فإن وضوح الموقف—أن هذه القوى جميعاً تعادي الثورة وتتفق على قمعها—ليس موقفاً دعائياً، بل استنتاج ضروري لفهم الواقع. ومن دون هذا الوضوح، سيظل الفعل السياسي عرضة للاختراق، وستظل الجماهير تُدفع مرة بعد أخرى إلى الاصطفاف خلف أحد أجنحة نفس المنظومة التي تقمعها.

زر الذهاب إلى الأعلى