لا يملك مدنيٌّ مثلي أدوات تقييم الكيفية التي تُدار بها ملفات العائدين من التمرد، ولا العقلية التي رسمت بها الأجهزة المختصة خطوط استقبالهم وإعادة دمجهم، بعد أن سلّم بعض القادة أنفسهم مع عشرات، بل مئات من عناصرهم، بكل ما لديهم من عتاد ومتحركات.
وفي هذا السياق، برزت عودة اللواء بقوات الدعم السريع، النور قبة، التي قوبلت بحفاوة رسمية لافتة، حيث استُقبل بأحضان القيادة العليا، وعُدّت خطوته مؤشرًا إيجابيًا، بل ومكافأة على ما وُصف بتوبته.
غير أن هذه الصورة لم تلبث أن اهتزّت سريعًا.. فبعد وقت وجيز، اندلعت مواجهة عنيفة في قلب أم درمان بين قواته من جهة، وقوات الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش من جهة أخرى، وهي قوى شريكة في السلطة بموجب اتفاق جوبا للسلام. وأسفرت الاشتباكات عن قتلى وجرحى، في مشهد أربك المتابعين وأثار تساؤلات مقلقة.
تفسيرات هذا التطور تباينت. فهناك من رأى في عودة الرجل احتمالًا لوقوعه في فخ، أُريد له أن يستدرج إلى ساحة تُصفّى فيها حسابات قديمة. بينما ذهب آخرون إلى أن هذه العودة قد تكون أقرب إلى “حصان طروادة”، تمكّن عبره الرجل من دخول العاصمة لتحقيق أهداف لم تكتمل في مراحل سابقة.
وبين هذين الاحتمالين، يظل السؤال قائمًا:
هل خضعت مثل هذه الخطوة لتقدير شامل لكل تداعياتها؟
وهل أُخذ في الحسبان تعقيد المشهد، وتشابك الولاءات، وحساسية العلاقات بين مكونات المعسكر الواحد؟
الأمر لا يتوقف عند واقعة بعينها، بل يمتد ليعكس حالة أوسع من القلق العام. فالمشهد، كما يراه كثيرون، يشير إلى تعدد مراكز القرار، وهشاشة التنسيق، في وقتٍ بلغت فيه الحرب حدًّا أنهك البلاد وأثقل كاهل ألعباد.
ومع استمرار هذا النزيف، تتزايد القناعة بأن أقصر الطرق لإخماد هذا الحريق لا يمر عبر الميدان، بل عبر طاولة التفاوض. فالحروب، مهما طال أمدها، لا تُحسم إلا بتسويات تعالج جذور الأزمة، وتفتح أفقًا لسلام حقيقي يُضمد جراح هذه المأساة الممتدة.
والله من وراء القصد



