الأعمدة

تنقلات الخارجية.. بين ضرورات التجديد ومخاطر التوقيت

في ظل الحرب الضروس التي أنهكت جسد السودان واستنزفت موارده، تبدو أي خطوة لإعادة ترتيب البيت الدبلوماسي خطوة مفهومة، بل وضرورية في كثير من الأحيان، ذلك ان وزارة الخارجية، كغيرها من مؤسسات الدولة، مطالبة بمراجعة أدائها بصورة دورية، وإتاحة الفرصة لضخ دماء جديدة في بعثاتها الخارجية، بما يعزز المهنية ويحقق مبدأ العدالة الوظيفية، ويرتقي بأداء الجهاز الدبلوماسي في مواجهة التحديات المتعاظمة.

وفي هذا السياق يأتي اعتزام وزارة الخارجية والتعاون الدولي إجراء حركة تنقلات وتعديلات دبلوماسية على بعثاتها الخارجية، في خطوة لا تخرج عن كونها إجراءً طبيعياً وروتينياً، تستهدف إعادة الحيوية إلى شرايين العمل الدبلوماسي، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على التفاعل مع متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، فالسودان اليوم ليس في وضع عادي، بل يقف في قلب معركة متعددة الأبعاد، سياسية وإعلامية واقتصادية، ما يفرض على دبلوماسييه الاضطلاع بأدوارٍ تتجاوز التمثيل التقليدي إلى الدفاع النشط عن مصالح البلاد وكشف ما يُحاك ضدها من مخططات، ومؤامرات.

بيد أن ما يثير التساؤلات، بل والقلق المشروع، هو ما تسرب من ملامح بعض هذه التعديلات والتنقلات، خاصة فيما يتعلق بمحطات خارجية تعتبر مهمة وحساسة، عطفاً على ما لعبته من أدوارٍ متعاظمة وملحوظة خلال الفترة الماضية في تحريك الملفات السودانية على الساحة الدولية، فاستبدال سفراء معتمدين بقائمين بالأعمال، أو إدخال تغييرات على بعثات تتطلب إجراءات اعتماد طويلة ومعقدة، قد يفتح فجوة في التمثيل الدبلوماسي في توقيت لا يحتمل الفراغ.

إن بعض المحطات الدولية، لا سيما تلك المرتبطة بمراكز صنع القرار أو المؤسسات الإقليمية والدولية المؤثرة تحتاج إلى حضور دبلوماسي رفيع ومستقر، قادر على البناء التراكمي للعلاقات، ومتابعة الملفات الحساسة دون انقطاع، وأن أي تغيير مفاجئ في هذا المستوى، خاصة إذا ترتب عليه خفض التمثيل إلى قائم بالأعمال، قد يُفسر خارجياً باعتباره تراجعاً في مستوى الاهتمام، وارتباكاً في إدارة الملف.

وتزداد حساسية الأمر حين يتعلق بمحطات تتطلب موافقات اعتماد تستغرق وقتاً طويلاً كما يحدث في الدول الأوروبية ذات العلاقات الشائكة مع السودان، ما يعني عملياً بقاء هذه المحطات لفترة غير قصيرة دون تمثيل سفير مكتمل الصلاحيات، فيتم إهمال القائم بالأعمال وتجاهله في الكثير من القضايا ذات الحساسية العالية التي تهمُّ السودان وهو يخوض حرباً شرسة على الأرض، ومعركةً لا تقل ضراوة في المحافل الدولية، وهو واقعٌ يجعل الاستقرار في هذه المواقع ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار إداري.

لا خلاف على أن العدالة المهنية داخل وزارة الخارجية والتعاون الدولي هدفٌ مشروع، وأن تدوير الكوادر وإتاحة الفرص أمر مطلوب للحفاظ على حيوية الجهاز الدبلوماسي، ولكن تحقيق هذه العدالة ينبغي أن يتم بميزان دقيق يراعي طبيعة المرحلة الاستثنائية التي تمر بها البلاد، فليس كل توقيت يبدو مناسباً لكل قرار، وليس كل موقع يحتمل التجريب أو التغيير السريع.

ومن هنا فإن ضمير المهنية يملي علينا أن نهمس في أُذن دكتور كامل إدريس رئيس الوزراء، وهو العالم ببواطن الشأن الدبلوماسي ونقول له: إن الحكمة تقتضي التمييز بين المحطات التي يمكن أن تحتمل التغيير دون تأثير يُذكر، وتلك التي تمثل خطوط تماس مباشرة مع معركة السودان السياسية والدبلوماسية، كما تقتضي النظر في تأجيل بعض التعديلات والتنقلات، أو تنفيذها بصورة تدريجية ومدروسة، تضمن عدم حدوث فراغ أو ضعف في التمثيل.

عموماً إن مسؤولية وزارة الخارجية والتعاون الدولي تبقى مضاعفةً في هذا الظرف التاريخي؛ فهي ليست فقط جهازاً إدارياً يدير شؤون البعثات، بل خط الدفاع الأول عن صورة السودان ومصالحه في الخارج، وبين ضرورات التجديد ومخاطر التوقيت، يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن المطلوب لتكون المحصلة: تجديدٌ لا يربك، وعدالةٌ لا تُضعف، وقراراتٌ تعزز الحضور السوداني في الخارج بدلاً من أن تترك فيه فراغاً غير محسوب.

زر الذهاب إلى الأعلى