سيكون الثامن والعشرون من سبتمبر واحداً من أكثر الأيام حزناً في مسيرتي الحياتية، ففيه أودّع رجلاً كان بالنسبة لي والداً ثانياً، احتضنني في البدايات الأولى وأنا أواجه رياح الغربة بعيداً عن الأهل متحسساً خطواتي الأولى في دروب الإعلام بمدينة كادوقلي، وحيث فتح لي الراحل أحمد شداد بيته وقلبه، واعتبرني واحداً من أفراد أسرته المميزة بدفء المودة وحميمية الانتماء، ولعل المفارقة التي تزيد وجعي أنني فقدتُ والدي «جبريل إسماعيل تيسو» في سبتمبر، وها أنا في ذات الشهر أفقد والدي الثاني أحمد شداد محمد رحال «ود المك»، رحمهما الله جميعاً وغفر لهما وجعل الجنة مسكنهما.
ويظل فعل الكتابة عن شخص في مقام الوالد صعباً جداً، ومع ذلك سأحاول أن أكتب عن رحيله بقلبٍ مثقل بالحزن، لا كصحفي يرثي شخصية عامة، وإنما كواحد من الذين ترك الرجل في حياتهم أثراً لا ينسى، لقد كان والدي الراحل أحمد شداد رجلاً حنوناً، عطوفاً، طيباً، بسيطاً، أنيقاً، منظماً، منضبطاً، وهادئاً إلى درجة أنك تكاد لا تسمع له صوتاً، لكنه كان حكيماً في المواقف الصعبة، يعرف كيف يداوي الأوجاع بالكلمة الطيبة، ويخفف عن الناس ما استطاع، ولذلك لم تكن عيادة شداد في حي السوق بكادوقلي مكاناً لتلقي العلاجات، أو معملاً للفحوصات فحسب، بل كانت جزءاً من ذاكرة المدينة، وبقعةً مباركة طيبة يجد فيها الناس العلاج، وفي أحيان كثيرة يجدون فيها المواساة والنصيحة والسند، كان «الحكيم» أحمد شداد « حكيماً»، يمارس إنسانيته قبل أن يمارس مهنته، ولذلك بقي اسمه منسوجاً بحرير التقدير والامتنان في وجدان أهل كادوقلي.
وكما ذكرتُ في مستهل المقال، فقد كنتُ واحداً من الذين احتضنهم الرجل في بدايات الطريق، لم يكتفِ بأن يفتح لي منزله، بل منحني أمان الأب، وألبسني ثوب الثقة وأنا في محطة البدايات، وما انفك تشجيعه لي عالقاً في نفسي حتى اليوم، ولذلك ظللت أناديه في داخلي وأتعامل معه باعتباره والدي الثاني، ولي معه الكثير من المواقف النبيلة، والمُلح الجميلة، ولعل من التفاصيل الصغيرة التي ستبقى في ذاكرتي ما حييت، عشق والدي أحمد شداد للسمك، لقد كانت أسعد اللحظات عندي تلك التي أكون فيها مسافراً من الخرطوم قاصداً كادقلي، حيث أحرص على المرور على مطعم «الأستاذ» الشهير في مدينة كوستي، فأنتقي للوالد شداد ما لذَّ وطاب من السمك الطازج، وأحمله إليه، كان يتناوله بشهية وفرح، شاكراً ومقدراً، وسط أجواء من الطرافة والبشاشة التي كان يتحفنا بها كلما جلسنا إليه، كانت تلك لحظات بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لي كبيرة بحجم المحبة والانتماء.
ولعل أكثر ما يؤلمني الآن هو حال رفيقة دربه الوالدة «نفيسة عامر سعيد»، فقد كان «بابا» أحمد شداد لا يكاد يفارقها، حتى في أقصر المشاوير، كانت تربط بينهما محبة ومودة نادرة، وتفاهم مدهش، إنها علاقة رفيقي عمر تعاهدا على أن تمضي بهما سفينة الحياة هادئة لا تكترث لتلاطم الأمواج، وعواصف الزمن، لهذا فإن فقد شداد بالنسبة إلى نفيسة ليس فقد زوج فحسب، وإنما فقد رفيق العمر والسند والأنيس والعضد، أسأل الله أن يربط على قلب أمي نفيسة النفيسة، وأن يمنحها الصبر والقوة، وأن يعوضها عن رفيق عمرها خير العوض.
رحم الله «بابا» شداد، فقد كان حريصاً على أهله وعشيرته، محباً لصلة الرحم، وفياً لموروث قبيلته وقيم إمارة «كدوقلي»، كان قريباً من الناس من دون ضجيج، تاركاً وراءه سيرة طيبة وأثراً لا يحتاج إلى كثير كلام، وتبقى البركة في أبنائه و«الخلَّف ما مات»، فهم اليوم لا يودعون والدهم وحده، وإنما يودعون ظلاً كبيراً من ظلال البيت، وذاكرة عمر، ورجلاً ترك لهم إرثاً من المحبة والسمعة الطيبة، وأنا لا أملك أمام هذا الفقد إلا أن أقول:
وداعاً « بابا» شداد..
وداعاً للرجل الذي احتضن بداياتي، وساندني في خطواتي الأولى، وترك في قلبي مكاناً لا يملؤه أحد..
اللهم ارحمه واغفر له، وأكرم نزله، واجعل الجنة مسكنه، واربط على قلب الوالدة نفيسة وأبنائه وأسرته ومحبيه، ولا حولا ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.



