أسئلةٌ قليلة… لكنها تختصرُ مأساةَ وطنٍ كاملٍ… وحقيقةَ البندقيّةِ حين تُقدَّمُ على العقلِ والعدل!!

✍️ محمد الفاتح حضرة
هل سمعتم قائداً من قادةِ الجيشِ خرج يوماً إلى الناسِ فقال بصدقٍ إنَّ الانقلابَ على الحكومةِ الانتقاليةِ كان خِطئاً عظيماً قاد البلادَ إلى الهاوية؟!
هل سمعتم أحدًا من جماعةِ ما يُسمَّى بالتيارِ الإسلاميِّ العريضِ اعترف بأنَّ التآمرَ على التحوُّلِ المدنيِّ كان جريمةً سياسيةً أضاعت فرصةً تاريخيةً للسودان؟!
هل سمعتم طرفاً من أطرافِ الحربِ قال للشعبِ: أخطأنا بإشعالها أو بتغذيتها أو بالصمتِ عنها؟!
هل سمعتم أحداً ممن تسبَّبوا في النزوحِ والجوعِ والرعبِ يعتذرون لأمٍّ ثكلى، أو لطفلٍ شُرِّد، أو لمريضٍ مات على أبوابِ المستشفيات؟!
هل ما زال بعضُ الناسِ يسيرون خلفَ العسكرِ مرَّةً، وخلفَ الكيزانِ مرَّةً أخرى، وكأنَّ التجاربَ المريرةَ لم تترك درسًا ولا أثرًا؟!
قال الله تعالى:
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
إن المأساةُ ليست في وجودِ المستبدِّ وحده، بل فيمن يتبعونه وهم يرون العاقبةَ بأعينهم!! 🧐
وهنا تظهرُ إحدى أقبحِ صورِ التزييفِ السياسيِّ والأخلاقيِّ… فبعد أن فعل العسكرُ وحملةُ البندقيّةِ فعلتَهم، وبعد أن سال الدمُ وتهدَّمت البيوتُ وتشرد الناسُ وانهار العيش، صاح بعضُهم في الشعبِ قائلين:
لسنا نحن من فعل هذا، بل فعله شبابُ الثورةِ ومعهم تلك القوى المدنيةُ والسياسيةُ التي رفعت شعاراتِ السلميةِ والحريةِ والعدالة ‼️
وكأنَّ لسانَ حالهم يقول:
لو خضعتم لنا ما قتلناكم، ولو سكتُّم عن ظلمِنا ما شرَّدناكم، ولو قبلتم حكمَنا ما أفقرناكم ‼️
وهذا منطقٌ قديمٌ يعرفه التاريخُ جيداً… منطقُ الجلادِ الذي يلومُ الضحيةَ لأنَّها رفضت السوط، ويُحمِّلُ المظلومَ مسؤوليةَ ظلمِه لأنه طالب بحقِّه
قال الله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
إنَّهم يريدون الطاعةَ أولاً، ثم يوزِّعون التهمَ بعد ذلك، ويطلبون من الناسِ أن يدفعوا ثمنَ إستبدادِهم صمتاً وخضوعاً و خنوعاً‼️😡
ماهو الحال بعد الآن 🧐🤔
هل ما زالت آثارُ النهبِ والانفلاتِ والجريمةِ تُطاردُ الأحياءَ والأسواقَ والمدنَ، شاهدةً على سقوطِ هيبةِ الدولةِ حين تُختطفُ لصالحِ من حملوا البندقية ؟!
هل ما زال ملايينُ السودانيين بين نازحٍ ولاجئٍ ومشرَّدٍ، ينتظرون وطناً غاب عن أهله ورحل ؟!
هل ما زالت الحربُ مستمرَّةً بعد كلِّ هذا الخرابِ، وكأنَّ الدمَ لا يكفي، وكأنَّ الوطنَ لا يستحقُّ النجاة؟!
إذا كانت الإجابةُ نعم… فاعلموا أنَّ الأزمةَ ليست في قلةِ المواردِ، ولا في ضعفِ الأرضِ، ولا في عجزِ الإنسانِ السودانيِّ، بل في غيابِ الاعترافِ بالخطأ، وفي تقديسِ القادةِ، وفي تكرارِ الفشلِ ثم انتظارِ نتيجةٍ مختلفة!!
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
فلا نهضةَ لشعبٍ يُصفِّقُ لمن أوجعه، ولا خلاصَ لأمةٍ تُعيدُ إنتاجَ من دمَّرها، ولا مستقبلَ لمن يجعلُ الذاكرةَ قصيرةً أمام الخداعِ الطويل
قال الإمام علي بن أبي طالب: لا يُعرَفُ الحقَّ بالرجال، إعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه.
ولكنَّ بعضَ الناسِ جعلوا الرجالَ معياراً للحقِّ، فإذا صرخ الزعيمُ صفَّقوا، وإذا أخطأ برَّروا، وإذا أهلك البلادَ التمسوا له الأعذار
قال سيدنا أبو بكر الصديق:
أطيعوني ما أطعتُ اللهَ فيكم، فإن عصيتُه فلا طاعةَ لي عليكم.
هكذا يكونُ الحكمُ الرشيدُ…
لا طاعةَ عمياء، ولا قداسةَ لبشر، ولا بندقيّةَ فوق إرادةِ الشعب.
قال النبيُّ ﷺ:
انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، ثم بيَّن أن نصرَ الظالمِ يكونُ بمنعه من الظلم، لا بالهتافِ له، ولا بتبريرِ جرائمِه، ولا بالسيرِ خلفه إلى الهاوية.
سيكتبُ التأريخُ عن بندقيّةٍ وُجِّهت كثيراً إلى صدورِ أهلِها أكثرَ مما وُجِّهت إلى أعداءِ الوطن، وعن سلاحٍ حرس الكرسيَّ أكثرَ مما حرس الحدود، وصان السلطةَ أكثرَ مما صان الكرامة
وسيكتبُ أيضاً عن شعبٍ كريمٍ أفسدت وعيَه دعاياتٌ مضلِّلة، وخدعته شعاراتٌ كاذبة، ودفع من دمِه وعيشِه ومستقبلِ أبنائه ثمنَ أطماعِ النُّخب
قال عبد الرحمن الكواكبي: الاستبدادُ أصلٌ لكلِّ فساد
ولا مجدَ لبندقيّةٍ تُرهبُ المواطنَ وتُسكتُ الحقيقةَ وتُطيلُ عمرَ الخراب
المجدُّ للشعبِ حين يصحو، وللوعيِ حين ينتصر، وللدولةِ حين يكونُ السلاحُ في خدمةِ الوطنِ لا في خدمةِ الحاكم
النهضةُ تبدأُ يومَ يقولُ المخطئُ أخطأتُ، ويومَ يُقالُ للمفسدِ توقَّف، ويومَ يختارُ الناسُ الوطنَ لا العصابةَ، والعدلَ لا الغلبةَ، والحريةَ لا الخوف
#السودان #لا_للحرب #لا_لحكم_العسكر #الحكم_المدني



