الأعمدة

أمريكا وإيران وهدنة الإمساك بالخناقات!

بالنظر إلى الهدنة التي أقرتها أطراف الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من الجانب الآخر، فإنها لم تكن مجرد استراحة محاربين لالتقاط الأنفاس بعد تعثر الجولة الأولى من التفاوض بين واشنطن وطهران في إسلام آباد.
بل هي في حقيقتها جولة من حبس أنفاس العالم، خاصة بعد إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، في محاولة للضغط على الدول المستفيدة من هذا الشريان الحيوي، لاسيما الأوروبية منها، حتى لا تنخرط في دعم هجومي مباشر إلى جانب واشنطن وتل أبيب. وقد فضّلت تلك الدول الاكتفاء بدور دفاعي، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى فرض حصار بحري على المنافذ المرتبطة بالمضيق، في محاولة لتحقيق هدفين: خنق الاقتصاد الإيراني، والضغط على الحلفاء المترددين.
ورغم أن إغلاق المضيق والحصار الأمريكي أضرّا بالتجارة العالمية بدرجات متفاوتة، فإن المؤشرات تُظهر أن إيران قد تكون الخاسر الأكبر إذا طال أمد الأزمة. فتعطيل صادرات النفط، المورد الأساسي لاقتصادها، مع محدودية القدرة على التصدير عبر المسارات البرية الوعرة، يهدد بكبح الإنتاج ذاته، خاصة في ظل شيخوخة بعض الحقول النفطية. كما أن استمرار النزيف المالي الناتج عن الحرب يزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
وفي هذا السياق، تبدو التحركات الدبلوماسية المكوكية بين إسلام آباد ومسقط وموسكو مؤشراً على سعي طهران إلى مخرج يحفظ ماء الوجه. وتشير التسريبات إلى مقترح إيراني يقوم على فتح المضيق مقابل رفع الحصار البحري، مع تأجيل الملفات الشائكة كـالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية إلى مراحل لاحقة.
غير أن المعطيات السياسية داخل الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تجعل من الصعب على دونالد ترامب القبول بمثل هذه التجزئة، لما قد يُفسَّر كتراجع يمس صورته السياسية وهيبته أمام خصومه، خاصة داخل الحزب الديمقراطي.
وهكذا، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى “إمساك بالخناقات” أكثر من كونها بداية سلام؛ هدنة مشروطة بانفجار مؤجل، أو تفاهم هشّ يقف على حافة التصعيد، في انتظار لحظة ترجّح فيها كفة السياسة على صوت المدافع… أو العكس.

زر الذهاب إلى الأعلى