الأعمدة

“جريمة تنقاسي: حين تُهان حرائر الشمال على يد من جاؤوا باسم الحماية”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في منطقة تنقاسي الرويس، بمحلية مروي في الولاية الشمالية، وقع ما لا يجب أن يقع، وحدث ما لا يُحتمل السكوت عنه. أفراد من القوات المشتركة – وهم بحكم الواجب حُماةٌ لا مُعتدون – تجرأوا على الاعتداء على نساء من قبيلة الهواوير، في عملٍ إجرامي مشين لا يمكن توصيفه إلا بأنه طعنةٌ في صميم القيم والكرامة الإنسانية.
“أرضُ الكنداكات لا تُهان”
ليست مروي مجرد بقعةٍ جغرافية على ضفاف النيل، بل هي حاضرة الحضارات وعاصمة مملكة كوش العريقة، الأرض التي أنجبت الكنداكات – الملكاتِ المحاربات اللواتي قُدن الجيوش وحكمن الشعوب وتصدّين لأعتى الغزاة عبر التاريخ. في هذه الأرض تحديداً، كانت المرأة رمزاً للعزة والسيادة والقيادة، لا هدفاً للاعتداء والإهانة. ومن هنا يأتي ما جرى في تنقاسي الرويس أشدَّ وطأةً وأقبحَ صورةً، إذ لا يُهين الضحايا وحدهن، بل يطعن في عمق هذا الإرث الحضاري الذي يفخر به أهل مروي والسودان كله. إن أرضاً شهدت عظمة الكنداكات لا يجوز أن تشهد اليوم إهانة بناتها.
“موجة إدانة شعبية واسعة”
ما جرى في تنقاسي لم يمرَّ في صمت، بل أشعل غضباً شعبياً حقيقياً عبّرت عنه مؤسسات أهلية وشعبية متعددة في يومٍ واحد. فقد أصدر المجلس الأعلى لأهالي محلية مروي، بتاريخ الخميس 30 أبريل 2026، بياناً قاطعاً وصف فيه ما جرى بأنه “اعتداءٌ مشين ومرفوض لا يمت بصلةٍ لقيمنا السودانية الأصيلة ولا لأخلاق القوات النظامية التي يُفترض أن تكون حاميةً للمواطن لا معتديةً عليه”، مطالباً بمحاسبة فورية وحاسمة لكل المتورطين، وبإبعاد هذه القوات من مناطق تواجد المواطنين فوراً. وأكد المجلس تحميله الجهاتِ المختصة كامل المسؤولية، محذراً من أن “الصمت أو التهاون لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع وتعقيدها”
وفي السياق ذاته، أصدرت نظارة الشايقية بياناً بتوقيع ناظر عمومها عثمان سيد أحمد بشير أغا، استنكرت فيه بأشد العبارات هذه “الممارسات غير الأخلاقية التي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي في المحلية”، ونبّهت إلى ما قد تُفضي إليه من تداعيات خطيرة إن لم تتحرك الجهات المعنية. وانضمّ إلى هذه الأصوات اتحادُ تجار مروي في بيانٍ أدان فيه الاعتداء على حرائر تنقاسي، مما يعكس حجم الصدمة والغضب الذي اجتاح المنطقة بأسرها.
” الحرب وجريمة الانفلات الأمني”
لا يمكن قراءة ما جرى في تنقاسي بمعزلٍ عن السياق الأشمل الذي تعيشه البلاد. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أفرزت الأزمة السودانية موجةً من الانفلات الأمني وتمدُّد السلاح خارج أطر المحاسبة والرقابة، وبات المواطن المدني في مناطق عديدة يعاني لا من عدو خارجي فحسب، بل من تجاوزات بعض من يحملون السلاح باسم الدولة. إن الاعتداء على النساء في زمن الحرب ليس ظاهرةً عابرة، بل هو من أشد مؤشرات الانهيار الأخلاقي والمؤسسي خطورةً، ويُصنَّف في أحكام القانون الدولي الإنساني ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم. إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى وحدة مجتمعية تلتفّ خلف قواتها الوطنية، لكن هذه الوحدة لن تتحقق ما لم يشعر المواطن بأن القانون يحميه من الجميع – بمن فيهم من يحملون السلاح.
“رسالة إلى قيادة القوات المسلحة السودانية”
نقول بصراحة ومسؤولية لقيادة القوات المسلحة السودانية: إن السكوت على مثل هذه الجرائم أو التهاون في محاسبة مرتكبيها لا يُعرّض فقط أمن المجتمع للخطر، بل يضرب في صميم صورة المؤسسة العسكرية أمام شعبها في أحرج لحظات تاريخها. الشعب السوداني يقف مع جيشه الوطني في مواجهة العدوان، ويتوقع في المقابل أن يقف الجيش حارساً لكرامته وصائناً لأعراضه. إن المحاسبة الصارمة والعلنية للمتورطين في جريمة تنقاسي ليست ضعفاً، بل هي دليلٌ على أن المؤسسة العسكرية تحترم نفسها وتحترم شعبها، وأن منظومتها الأخلاقية والقانونية أقوى من أي فردٍ انزلق إلى الجريمة.
“نداء إلى منظمات حقوق الإنسان”
نوجّه نداءً صريحاً وعاجلاً إلى كل المنظمات الحقوقية السودانية والدولية – ومن بينها منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ومنظمة نساء السودان ضد الحرب، وكل هيئة تُعنى بصون الكرامة الإنسانية – أن تُولي ما جرى في تنقاسي الرويس اهتمامها الجاد والعاجل، وأن تُسلّط الضوء على هذه الجريمة بما تستحقه من رصدٍ وتوثيق ومتابعة. إن صمت العالم عن انتهاكات تطال النساء في السودان – أيّاً كان مرتكبوها – هو شراكةٌ ضمنية في الجريمة. والضحايا في تنقاسي لسن أقل شأناً من أي ضحايا في أي بقعةٍ من العالم، وقضيتهن تستوجب الاهتمام الدولي ذاته.
“المطلوب اليوم: عدالة لا وعود”
تتقاطع مطالب البيانات الثلاثة في نقاط محورية لا تحتمل التأجيل: المحاسبة الفورية والقانونية الصارمة لكل من ثبت تورطه دون تهاون، وإبعاد القوات المشتركة فوراً عن مناطق تواجد المدنيين في مروي، وتحمُّل قيادة الفرقة 19 مشاة ووالي الولاية الشمالية مسؤوليتهما الكاملة أمام القانون والتاريخ. وأن تستوعب كل القوى العسكرية المنتشرة في المنطقة درساً لا يُنسى: الزيُّ العسكري مسؤوليةٌ وأمانة، لا ترخيصٌ للجريمة وحصانةٌ من العقاب.
تنقاسي الرويس ليست مجرد موقعٍ جغرافي، هي جزءٌ من نسيج هذا الوطن ومن حضارة النيل العريقة. والمرأة التي أُهينت هناك ليست وحيدة، بل خلفها تاريخٌ من الكنداكات يأبى الانكسار، وقبيلةٌ وشعبٌ وضميرٌ وطني لن يهدأ حتى ينال كل جانٍ جزاءه. وكما أكد المجلس الأعلى لأهالي مروي: “نؤكد تمسكنا بحقوق أهلنا ووقوفنا صفاً واحداً في وجه كل من يحاول العبث بأمن مجتمعنا أو النيل من كرامته” الصمت في مثل هذه القضايا ليس حكمة، بل هو شريكٌ للجريمة.
حفظ الله السودان وأهله، والخزيُ والعار لكل معتدٍ ظالم.

زر الذهاب إلى الأعلى