“جوالٌ لم يُكمِل شحنه.. وطالبٌ لم يُكمِل حُلمه” مقال في الانفلات الأمني بأمدرمان وجريمة اغتيال الطالب أشرف

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في ليلة غارقة في الظلام، كما هو حال كثير من ليالي أمدرمان التي سرق منها الانقطاع المتكرر للكهرباء حتى ضوء المصباح، جلس الطالب أشرف أمام بيته في حي ود نوباوي. لم يكن يبحث عن متعة أو راحة، بل كان يذاكر من جواله، يحاول أن يسرق لحظات من النور الصغير الذي تبعثه الشاشة ليضيء مستقبله المجهول.
عشرون عاماً لم تكتمل بعد، وأحلام لم تأخذ حظها من الهواء.
“الجريمة”
قطع صمت الليل صوتُ توقف مركبة “تاتشر” أمام البيت. نزل منها عناصر يرتدون الكاكي، ويحملون السلاح، ويمثلون – من المفترض – سلطة الدولة وهيبتها. لم يكن ثمة سبب، ولا مناسبة، ولا جريمة. فقط طلب واحد: أعطنا الجوال.
رفض أشرف.
ولأنه رفض، أطلقوا عليه الرصاص.
أخذوا الجوال وتركوه جثةً هامدة أمام بيته، أمام أسرته، أمام الحي كله. لم يأخذوا مجرماً. أخذوا جوالاً، وتركوا وراءهم جريمة.
“التناقض الصارخ”
على بُعد شارع واحد من مكان الجريمة، يسكن الأمير عبد الرحمن الصادق المهدي. يحرسه عشرون عنصراً مسلحاً، تشكيلة من كتائب البراء والعمل الخاص والمشتركة والجيش النظامي.
شارعٌ واحد يفصل بين من يحظى بحماية دولة بأكملها، وبين من لقي حتفه على يد من يُفترض أنهم يمثلون تلك الدولة.
هذا ليس قصوراً في تطبيق القانون. هذا إعلانٌ صريح بأن الأمن في السودان اليوم أصبح امتيازاً طبقياً، يُمنح للسياسيين وأصحاب النفوذ، ويُحجب عن الطالب الذي يذاكر في الظلام.
“الصمت المُدان”
ما يضاعف المأساة هو الصمت. لم يتفاعل أحد مع قصة أشرف بالقدر الذي تستحقه. في الوقت الذي تمتلئ فيه الشاشات بمتابعة بث مباشر وتحليلات عن مناطق أخرى، غاب اسم أشرف عن المشهد الإعلامي كله.
الطالب الذي لم يفعل شيئاً سوى أنه رفض التخلي عما يملك، أصبح في قاموس اللامبالاة مجرد “ضرر جانبي” مقبول في زمن الحرب.
لكن أشرف لم يكن ضرراً جانبياً. كان إنساناً. كان ابناً. كان طالباً يحمل في صدره حلماً لم يُكمله.
ما جرى في حي ود نوباوي ليس حادثة عابرة. هو مرآة لما آل إليه الوضع الأمني في عاصمة تتقاسمها الميليشيات وتُحكم فيها الفوضى قبضتها. حين يصبح المواطن البسيط لقمة سائغة لمن يحمل السلاح، وحين تكون الحماية حكراً على من يملكون الحظوة والنفوذ، فإن الدولة بمفهومها الحقيقي لم تعد موجودة.
العدالة لأشرف لن تأتي بالنسيان ، تأتي بالتوثيق، والمحاسبة، والرفض الصريح لثقافة الإفلات من العقاب.
رحم الله الشهيد أشرف، وألهم أهله الصبر والسلوان.



