الأعمدة

عند معبر أرقين: العودة طوعية… والشفشفة إجبارية

في معبر أرقين، يمكنك مشاهدة أبلغ صور الحرب. آلاف المواطنين غادروا بلادهم محملين بالخوف بعد أن لعلع الرصاص داخل غرف نومهم، مجبرين على الرحيل بسبب الصراع حول كراسي السلطة بين الرجل ونائبه، صراع هز الكراسي التي كانوا يعيدون تنجيدها قبل العيد.
تكدس المئات من النساء والأطفال وسط ظروف قاسية، يضطجع بعضهم على حقائبهم. أصحاب البصات عادوا بسياراتهم في رحلة عكسية، ووطنك على بعد خطوات منك، لكن لا يمكنك العبور. نفس السلطة التي تناديك بالعودة إلى وطنك تغلق أمامك الأبواب بجباياتها.
حين تسمع مناشدات قيادات الحكومة بالعودة، تتخيل أن من ينادي عليك سيفرش طريقك بالـ”ورود”، معتذرًا عن بارود الحرب التي كان المدنيون ضحاياها، وليست ثقاب أشعالها، قبل أن تتفاجأ بأن الحكومة قررت أن تدفع المواطنين فاتورة استجابتهم لدعوتها.
ما يحدث ليس سيناريو لمسلسل، بل حقيقة عاشها الآلاف في معبر أرقين عند حدود السودان مع مصر. اللافتة التي توقعها العائدون تقول: “مرحباً بكم في بلادكم”، وقررت الحكومة كتابتها بلغتها التي تجيدها: ضرائب وقرارات.
يمكنك أن تتخيل فرض الضرائب على كل مواطن عائد إلى السودان، حيث تفرض ضرائب وادي حلفا على كل مواطن في المعابر: “قيمة مضافة، ودمغة تذاكر، وأرباح أعمال، ودمغة أخرى”. القيمة الإجمالية للاتاوات من حلفا إلى الخرطوم تصل إلى 34 ألف جنيه، وإلى عطبرة 22 ألف جنيه، وإلى دنقلا 15.5 ألف جنيه.
تشهد المعابر الحدودية بين مصر والسودان حالة من التكدس والفوضى، في ظل إضراب أصحاب البصات وفرض رسوم وضرائب جديدة على العائدين، ما أدى إلى تعطل حركة السفر واحتجاز مئات المواطنين لأيام.
وسط شكاوى من فرض رسوم على الأمتعة الشخصية رغم إعلان إعفائها رسميًا، وإلى جانب ارتفاع تكلفة التذاكر بسبب زيادة أسعار الوقود، زادت معاناة الأسر، خاصة كبار السن والمرضى والنساء والأطفال.
في سودان الحرب، لا تبدو المفارقة فقط في قرارات الحكومة التي تناقض شعاراتها، ولا في الجبايات التي تعترض الطرقات، بل يكمن السبب في غموض من يفرضها، ليغرق المواطن في بحر همومه.
في السياق نفسه، كشف مدير إدارة المعابر والمنافذ البرية، الفريق ياسر محمد عثمان، حقيقة الرسوم التي أثيرت حول فرضها على العائدين إلى السودان عبر معبر وادي حلفا، مؤكدًا أن إدارة المعبر ليست الجهة التي قررت هذه الزيادة. ونقلته صحيفة الكرامة عن منشور صادر من مكتب ضرائب وادي حلفا، الذي قضى بفرض رسوم إضافية على الركاب بفئات مختلفة وفق وجهة الراكب داخل السودان، تتراوح بين 34 ألف جنيه للراكب المتجه إلى الخرطوم و15 ألفًا للمتجه إلى دنقلا. وأضاف أن إدارة المعبر تواصلت فورًا مع مدير ضرائب وادي حلفا عقب وصول المنشور.
وبحسب مدير المعابر، لا يوجد “تكدس” في المعابر، إلا أن الواقع يروي قصة أخرى، كما قالت إحدى العائدات لبيتها: “المشفشف… شكلهم عاوزين يرجعونا شأن يحلبونا”، لتلخص معاناة آلاف المواطنين أمام قرارات حكومية غير واضحة.

زر الذهاب إلى الأعلى