السودان بين طريق الصندوق وطريق البندقية كيف أُجهِضَ التحول المدني وأُشعِلَت الحرب رغم اتفاق الجميع على الديمقراطية؟!!

مدخلٌ لا بد منه
✍️محمد الفاتح حضرة
من أعظم المآسي السياسية في السودان، أن قضايا كان يمكن حسمها عبر الحوار، والدستور، والانتخابات الحرة، جرى دفعها عمدًا إلى ميادين السلاح والدمار.
والأشد مرارةً، أن كثيرًا من الأطراف التي خاضت الصراع، أو ساندته، أو بررته، كانت – في خطابها الرسمي والمعلن – لا ترفض أصل النظام الديمقراطي، ولا تعلن عداءً صريحًا لفكرة الحكم المدني، بل تتحدث عن الشورى، والانتخابات، وحق الشعب في الاختيار، ورفض الحكم العسكري المطلق‼️
وهنا يبرز السؤال التاريخي الكبير:
إذا كان الجميع – نظريًا – مع الديمقراطية، فلماذا وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021؟!!
ولماذا تعطل الانتقال المدني؟!!
ولماذا اندلعت حرب 15 أبريل 2023؟!! 🧐
—
أولًا: ما المقصود بالتحول المدني والانتقال الديمقراطي؟
في العلوم السياسية، يُقصد بالتحول المدني انتقال الدولة من هيمنة السلاح ومراكز النفوذ غير المنتخبة إلى حكمٍ مدنيٍّ قائمٍ على المؤسسات، وخضوع القوات النظامية للسلطة التنفيذية الشرعية التي يختارها الشعب.
أما الانتقال الديمقراطي فهو مرحلة خروج البلاد من الحكم الشمولي أو الانقلابي إلى نظامٍ يقوم على:
انتخابات حرة نزيهة
تداول سلمي للسلطة
فصل بين السلطات
استقلال القضاء
حرية التعبير والتنظيم
خضوع الجميع لحكم القانون
وهذه ليست شعارات أجنبية كما صُوِّر لبعض الناس، بل قواعد سياسية عقلانية تبنتها أممٌ كثيرة لحفظ الاستقرار ومنع الاستبداد.
—
ثانيًا: ما هو النظام الديمقراطي؟ وهل يعادي الشريعة؟
النظام الديمقراطي في جوهره يعني أن الشعب هو مصدر الشرعية، يختار ممثليه عبر الاقتراع، ويمنح الأغلبية البرلمانية حق سن القوانين، وتشكيل الحكومة، ومحاسبتها أو تغييرها وفق الدستور.
ولا يوجد – من حيث الأصل الدستوري – ما يمنع أن يختار الشعب السوداني، عبر أغلبيةٍ منتخبة، أن تكون قوانينه مستمدة من الشريعة الإسلامية، إذا عبّر الناس عن ذلك بحرية عبر البرلمان أو الاستفتاء الشعبي.
كما يمكن عرض مشروع الدستور على الشعب ليقول كلمته، ويختار النصوص التي يريدها، ويحدد علاقة الدين بالدولة، والحقوق، والحريات، ونظام الحكم.
أي أن الديمقراطية لا تصادر هوية المجتمع، بل تُعيد القرار إلى المجتمع نفسه 🙄
—
ثالثًا: شباب الثورة وقوى الحرية والتغيير… ماذا أرادوا حقًا؟
من أكبر حملات التضليل التي شهدها السودان، تصوير شباب الثورة، وقوى الحرية والتغيير، والقوى المدنية، وكأنهم جاءوا للقضاء على الإسلام، أو لفرض مشروعٍ معادٍ لهوية البلاد‼️
والحقيقة أن المشروع المعلن لهذه القوى كان يدور – في أصله – حول:
إيقاف الاستبداد
إقامة سلطة مدنية انتقالية
بناء مؤسسات الدولة
استقلال القضاء والنيابة
إنشاء المحكمة الدستورية
قيام مجلس تشريعي
إصلاح القطاع الأمني والعسكري
تهيئة البلاد لانتخابات حرة
أي أنهم لم يأتوا بدبابة ليستولوا على الحكم، بل جاءوا للمطالبة بآلياتٍ تعيد الحكم إلى الشعب نفسه 🤔
—
رابعًا: من انقلاب 25 أكتوبر إلى تعطيل مؤسسات الدولة
بعد سقوط النظام السابق، كان المنتظر استكمال هياكل الدولة الانتقالية، لكن ما حدث عمليًا هو تعطيلٌ واسع لمؤسسات الرقابة والعدالة.
فقد تأخر أو تعطل:
المجلس التشريعي
المحكمة الدستورية
إصلاح القضاء
استقلال النيابة العامة
الإصلاح الأمني والعسكري
إنهاء تعدد السلاح والتشكيلات الموازية
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين تحالف الجيش والدعم السريع ضد الحكومة الانتقالية، فجرى قطع الطريق أمام التحول المدني، وتعطلت العملية السياسية، وعادت البلاد إلى مربع الهيمنة العسكرية 😡
—
خامسًا: إذا كانوا الأغلبية… فلماذا الخوف من الانتخابات؟!!
ظل بعض قادة جماعة الحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، وشركائهم من جماعة ما يُسمّى بالتيار الإسلامي العريض، يرددون أن القوى المدنية مجرد شرذمة قليلة و فئة قليلة لا تمثل الشعب السوداني.
وهذا يذكّر بمنهج فرعون حين قال:
﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾
لكن المنطق يطرح سؤالًا بسيطًا:
إذا كانوا قلةً فعلًا، فلماذا الخوف منهم؟!!
ولماذا الانقلاب عليهم؟!!
ولماذا تعطيل الانتخابات؟!!
ولماذا الهروب من صندوق الاقتراع؟!!
فالذي يملك الأغلبية لا يخاف التصويت
والذي يملك الشرعية لا يحتاج البندقية
—
سادسًا: التناقض بين القول والفعل
وجد الناس مقاطع قديمة لبعض شيوخ التيار الإسلامي، ومنهم الدكتور عبد الحي يوسف، يثنون فيها على النظام الديمقراطي، ويقررون أن العسكر لا يصلحون للحكم، وأن تجارب الشعوب أثبتت ذلك‼️
وهذا – من حيث الأصل – كلام معتبر
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كان العسكر لا يصلحون للحكم، فلماذا جرى دعم انقلاب 25 أكتوبر؟!!
إذا كانت الديمقراطية مقبولة، فلماذا محاربة الانتقال الديمقراطي؟!!
إذا كان الشعب هو صاحب القرار، فلماذا لم يُترك ليقول كلمته عبر انتخابات حرة؟!!
إنه تناقضٌ بين الخطاب النظري والممارسة الواقعية 🙄
—
سابعًا: من الاتفاق الإطاري إلى حرب 15 أبريل 2023
حين بدأت ترتيبات سياسية جديدة بين الجيش والدعم السريع وقوى الحرية والتغيير لاستعادة المسار المدني عبر الاتفاق الإطاري، ظهرت فرصة جديدة لإنهاء آثار الانقلاب.
لكن بدلًا من إنضاج الحل السياسي، انفجرت المواجهة العسكرية في 15 أبريل 2023، ودخل السودان في واحدة من أسوأ كوارثه الحديثة:
آلاف القتلى
ملايين النازحين
انهيار الخدمات
تدمير المدن
تمزيق النسيج الاجتماعي
تعطيل الدولة والاقتصاد
وهكذا انتقل الخلاف من طاولة السياسة إلى ساحة الخراب 💢
—
ثامنًا: سؤالٌ أخلاقي وشرعي لا مهرب منه
إذا كانت كل الأطراف تقول إنها مع الديمقراطية، ومع الانتخابات، ومع رجوع الأمر إلى الشعب…
فلماذا الاقتتال إذن؟!!
ولماذا الذبح، وبقر البطون، وجز أعناق الرجال؟!!
ولماذا اغتصاب النساء؟!!
ولماذا قنص الشباب في المواكب والمظاهرات؟!!
ولماذا هذا الدم السوداني الحرام؟!!
لا إله إلا الله…
أخوف ما يُخاف أن تكون هذه الفتنة داخلةً في قول النبي ﷺ:
إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار
قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟
قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه
والعياذ بالله 😓‼️
—
خاتمة: السودان لا يحتاج شعارات… بل صدقًا
إن مأساة السودان لم تكن في غياب المبادئ، بل في غياب الصدق في الالتزام بها.
كثيرون قالوا إنهم مع الديمقراطية، ثم خافوا نتائجها
كثيرون قالوا إنهم مع الشريعة، ثم رفضوا العدل والمحاسبة
كثيرون قالوا إنهم مع الوطن، ثم قدّموا الجماعة عليه
والحقيقة الباقية:
السودان لا يُبنى بالبندقية
ولا يُحكم بالتخوين
ولا يُدار بالمليشيات
ولا يُنقذ بالكذب السياسي
السودان يُبنى بدستورٍ عادل، وقضاءٍ مستقل، ومؤسساتٍ قوية، وانتخاباتٍ حرة، وإرادة شعبٍ لا تُصادر
وحينها فقط… سيعرف الجميع من هو الكثير، ومن هو القليل‼️
#السودان
#أوقفوا_الحرب
#التحول_المدني
#الانتقال_الديمقراطي
#دولة_القانون
#لا_للتضليل



