الأعمدة

القوات المساندة تبتلع الجيش

أسامة كنينة
يمر السودان اليوم بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث؛ فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن مجرد تمرد عسكري، بل كانت الانفجار الحتمي لغم “التعدد العسكري” الذي زرعه نظام الحركة الإسلامية طوال ثلاثة عقود. واليوم، يجد الجيش السوداني نفسه في مأزق وجودي، ليس فقط بسبب قوة خصمه، بل بسبب طبيعة “حلفائه” الذين باتوا يهددون بابتلاع ما تبقى من هوية المؤسسة العسكرية التقليدية.
#الخطيئة الأولى: تفكيك المهنية وخلق الموازيات
بدأت الأزمة منذ اللحظة التي قرر فيها نظام “المؤتمر الوطني” استبدال عقيدة الجيش الوطنية بـ “عقيدة الولاء”، عبر سياسات التمكين وفصل الكفاءات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنى النظام استراتيجية “المليشيات المساندة” لحماية عرشه، بدءاً من الدفاع الشعبي وصولاً إلى “قوننة” قوات الدعم السريع في 2017. هذه السياسة حولت الجيش من مؤسسة تحتكر العنف الشرعي إلى “مظلة إدارية” تدير صراعات مراكز القوى.
#المشهد الميداني: جيش “بيروقراطي” وقوى “ديناميكية”
يعيش الجيش السوداني اليوم واقعاً يتسم بـ “البيروقراطية الثقيلة”؛ حيث تتوزع قواته على فرق عسكرية ثابتة تحولت في كثير من الجبهات إلى “وحدات استخبارات” أو حاميات محاصرة دافعت عن أسوارها بدلاً من المبادرة للهجوم. في المقابل، برزت القوى المساندة (حركات الكفاح المسلح، درع السودان، وكتائب المستنفرين العقدية) كلاعبين يمتلكون سرعة الحركة والمعرفة المحلية.
المعضلة الكبرى تكمن في الأرقام؛ حيث تشير التقارير إلى أن تعداد هذه القوى المساندة بات يفوق تعداد أفراد الجيش النظاميين بأضعاف مضاعفة. هذا الاختلال العددي والنوعي جعل من “البندقية الموازية” هي صاحبة الكلمة العليا في الميدان، مما يعمق فرضية التفكيك الشامل لبنية القوات المسلحة.
بوادر الصدام وصراع “الولاءات المشتتة”
مع استمرار الحرب، بدأت بوادر الخلاف تخرج من غرف العمليات إلى العلن. فحرب التصريحات الإعلامية بين قادة الحركات المسلحة وبعض أجنحة الجيش، والتحركات الميدانية المريبة في مناطق السيطرة المشتركة، تؤكد أن الولاء في هذه الحرب ليس للمؤسسة العسكرية كمؤسسة قومية، بل هو ولاء لـ “الأجندة المطلبية” أو “العقيدة التنظيمية” أو “الزعيم القبلي”.
إن تصنيف بعض هذه الكتائب (مثل لواء البراء) دولياً كمنظمات إرهابية يضع قيادة الجيش في مأزق دبلوماسي، ويجعل “حلفاء الضرورة” عبئاً على شرعية الدولة الدولية، في وقت لا يستطيع فيه الجيش الاستغناء عنهم ميدانياً.
ختاما : مخاض عسير لولادة جيش وطني
إن ما يشهده السودان اليوم قد لا يكون مجرد انهيار، بل هو عملية “هدم تاريخية” قاسية للبنية العسكرية المشوهة التي أرساها نظام المؤتمر الوطني على مدار ثلاثين عاماً. إن تفكك التحالفات الحالية وانكشاف عجز المليشيات الموازية أمام تحديات بناء الدولة، يضع السودان أمام خيار وحيد وحتمي: محو هذا الإرث المثقل بالولاءات العقدية والقبلية، ليقوم على أنقاضه “جيش وطني قومي” حقيقي.
هذا المخاض، رغم دمويته وتعقيده، يمثل الفرصة الأخيرة لاستعادة احتكار الدولة للسلاح، وتأسيس مؤسسة عسكرية مهنية تخضع للسلطة المدنية وتلتزم بمهامها الدستورية بعيداً عن العمل السياسي أو التجاري. إن بقاء الدولة السودانية المستقرة، مرهون بنجاح هذا المسار؛ فإما الذهاب نحو التلاشي الشامل، أو العبور من خلال ركام هذه الحرب نحو بناء مؤسسة تعبر عن جميع السودانيين، وتضع حداً نهائياً لعهد “الجيوش الموازية” و”الكتائب العقدية”

زر الذهاب إلى الأعلى