الأعمدة

العدالة النسوية وعمى الاقتصاد التقليدي.. نحو نموذج “اقتصاد الحياة”

د. إحسان فقيري
إن مفهوم “العمى الاقتصادي” يعني تجاهل التحيزات القائمة على النوع الاجتماعي، حيث تم إقصاء النساء تاريخياً من دائرة “الإنتاج”، بمجرد تحول المجتمعات من الأنظمة الأمومية (التي كانت فيها المرأة المركز الاقتصادي والروحي) إلى النظام الأبوي، وصولاً إلى الثورة الصناعية التي حصرت القيمة فيما يُنتج داخل المصنع فقط.
وفي الإبصار المفاهيمي المنصف، لا تقتصر العدالة النسوية في الاقتصاد على مجرد “المساواة في الأجور” أو “تكافؤ الفرص” في سوق العمل، بل هي نقد جذري للنظام الاقتصادي الذي أقام جداراً عازلاً بين العمل المأجور (المصنع/المكتب) والعمل الرعائي (المنزل).
اقتصاد الرعاية.. الركيزة الخفية للإنتاج
يعمل الاقتصاد التقليدي بعقلية “المصنع”، حيث تُقاس القيمة بالعائد المادي الفوري. وهذا يؤدي إلى تجاهل متعمد لـ”اقتصاد الرعاية” الذي تقوم به المرأة، والمتمثل في تجهيز القوى العاملة. فبدون إعداد الوجبات، وأعمال النظافة، وتقديم الدعم النفسي، وتربية الأجيال القادمة، لا يمكن للعامل أن ينتج في مصنعه.
واليوم أصبحت المرأة تعاني من “ورطة مزدوجة”؛ فهي تعمل في وظيفة خارجية لتحقيق دخل مادي، ثم تعود لتمارس وظيفتها الأساسية في الرعاية دون أجر أو استحقاق لإجازات، رغم مشقة هذا العمل البدنية والنفسية. وقد جعل هذا العبء المزدوج نمط الحياة اليومية للنساء جزءاً من معاناة مستدامة، تنعكس سلباً على صحتهن، وتحد أحياناً من القدرة على تحسين الوضع المعيشي وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، فضلاً عن إقعاد المرأة عن التطور المهني والترقي الوظيفي أو التفوق العلمي.
القطاع غير المنظم.. المحرك المنسي
في الدول النامية، يمثل القطاع غير المنظم الملاذ الأساسي للنساء، لقدرته على الدمج بين العمل المنزلي والعمل المدر للدخل. وبالرغم من أهميته، إلا أن العاملات في هذا القطاع (مثل عاملات المنازل، وبائعات الأطعمة، وغيرهن) يفتقرن إلى التغطية القانونية، والتأمين الصحي، وتعويضات الإصابة، أو معاشات التقاعد.
إن غياب هذه الحماية يجعل العمل في هذا القطاع وسطاً غير آمن، بينما يساهم بنسبة تصل إلى 50% من الناتج المحلي في بعض الدول، رغم وصفه بـ”العمل الهامشي”. وهذه المساهمة الاقتصادية المؤثرة تحتم على الدولة تنظيم هذا القطاع وإسقاط صفة “غير المنظم” عنه، ليس لأغراض الجباية الضريبية، بل لتوفير الحماية الاجتماعية والقانونية للعاملات فيه.
المرأة المزارعة والأمن الغذائي
عملياً، تُشكل المرأة المزارعة العمود الفقري للزراعة التقليدية، وعنصراً مهماً في حفظ الموروث التراثي من البذور. لكن لا تزال هناك عوائق هيكلية تُكبل قدرتها الإنتاجية، مثل الفجوة التمويلية الناتجة عن الأعراف والتقاليد التي تحرم المرأة من ملكية الأرض، وتجعل من الصعب عليها الحصول على قروض أو تمويل، مع غياب التمليك التكنولوجي وإزالة عقبات التسويق. وتبرز هنا الحاجة الماسة إلى تدريب النساء على التقنيات الحديثة، وتسهيل وصول منتجاتهن إلى الأسواق مباشرة، بعيداً عن سلسلة السماسرة.
لتحقيق العدالة النسوية بانتقال واقعي وعملي وعلمي، يجب تبني السياسات التالية:
إعادة النظر في الموازنات العامة، وجعلها مستجيبة للنوع الاجتماعي، لضمان توزيع الموارد بما يلبي احتياجات الفئات المختلفة (نساء، شيوخ، ذوو احتياجات خاصة)، ورفع كفاءة الإنتاج عبر استهداف الفئات الأكثر إنتاجية وتهميشاً.
إدراج قيمة عمل الرعاية المنزلي ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي (GDP) ليعكس الواقع الحقيقي للاقتصاد، عبر الاعتراف والتقييم.
تأكيد شمول العاملات في القطاع غير المنظم والقطاع الزراعي بمظلة التأمين الصحي والاجتماعي، كضرورة اقتصادية وليست مجرد “منحة” حقوقية، وتعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة.
تبني نموذج يضع رفاهية الإنسان واستدامة الحياة الكريمة والآمنة كهدف أسمى، بدلاً من التركيز المحض على نمو الأرقام وتراكم رأس المال الاستغلالي، عبر تقديم نموذج “اقتصاد الحياة”.
تستغل الرأسمالية العالمية اقتصاد الرعاية غير المأجور لتقليل التكاليف وزيادة التنافسية على حساب كدح النساء. لذا، يظل السؤال قائماً وبقوة: لماذا لا تُعامل “ربة البيت” كعاملة ومنتجة قومية؟ ولماذا لا تنعم بإجازة سنوية مدفوعة الأجر، أو معاش تقاعدي يضمن كرامتها، بصفتها المديرة والمحرك الأساسي للوحدة الاقتصادية الأهم والأولى في المجتمع، وهي الأسرة؟.
إن بناء اقتصاد عادل لا يبدأ من الأسواق والبنوك وحدها، بل من الاعتراف بما يجري داخل البيوت والحقول وفضاءات العمل الهامشية، حيث تُنتج النساء الحياة يومياً دون مقابل عادل أو تقدير كافٍ. فالعدالة النسوية ليست مطلباً خاصاً بالنساء، بل شرط أساسي لإصلاح الاقتصاد والمجتمع معاً.
وكل نظام اقتصادي يتجاهل عمل الرعاية، ويُقصي النساء من الحقوق والموارد، هو نظام يعاني خللاً بنيوياً مهما بدا ناجحاً في أرقامه. لذلك، فإن الانتقال إلى “اقتصاد الحياة” لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها قيم العدالة وحق الإنسان في الكرامة والتنمية المستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى