لكلِّ زمانٍ دولةٌ ورجال، وهي مقولة تُجسِّد معنى تبدّل الوجوه والدول نفسها، المتمثّلة في مؤسسات الحكم، أياً كانت: ديكتاتورية أو ثيوقراطية أو حتى ديمقراطية، سواء كانت رئاسية أو برلمانية أو مشتركة بينهما.
وهي تحولات تفرضها ظروف سياسية تتعاقب وتتباين، وقد تتوافق أحياناً، عبر الأحقاب والشخوص وبنية كل نظام وبرامجه الفكرية، فضلاً عن خططه الآنية والبعيدة المدى.
غير أنّه، وفي كل تلك الصيغ والتشكيلات، لا بدّ من وجود مستشارين حول رأس الدولة، إن كان شخصاً أو مجلساً، يديرون معه دفة الحكم، إمّا بصورة ملموسة عبر ظهورهم العلني، أو من خلف ستار، فيكون لهم أجر المناولة وحسن الذكر في الأسفار السياسية.
لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان حول الرئيس أو المجلس رجال يتميّزون برجاحة العقل، وتمام الخبرة، وعمق الروح الوطنية، وشجاعة الإقدام التي تجعلهم لا يخشون لومة لائم في تقديم النصح، ولو جاء في خطاب موجع، بغرض تقويم الأداء وفق مقتضيات كل مرحلة من مراحل تولّي ذلك المنصب الرفيع، الذي يتوقف على نجاعة إدارته حاضر البلاد ومستقبلها، داخلياً وخارجياً، بل ومصير الأمة بأسرها.
فذلك النمط الواعي يختلف تماماً عن قيادة يلتف حولها مجرد ظلال؛ أشخاص لا يملكون من التجربة أو الرؤية ما يمكّنهم من اجتراح الأفكار التي تقود إلى الطريق السوي، أو إلى إخراج الوطن من أزماته المتراكمة. كما أنهم يفتقرون إلى ملكات الإبداع في متطلبات المشورة التي تُعين القيادة على الإصلاح الداخلي، وبناء علاقات خارجية قائمة على توازن المصالح واحترام الشراكات.
ومثل هذه النوعية من الظلال لا تعدو كونها نسخاً مكررة لسوابق فاشلة، دون قدرة على تطويرها أو حتى التحرر من عباءتها الثقيلة. فيدفعون القيادة إلى تقديم نوافل السلطة الأقل أهمية، وتأخير فروضها الأكثر إلحاحاً، على أمل قضائها بعد فوات الوقت وضياع الفرص السانحة.
ثم ينشغل الجميع في الركض وراء المظهريات الخادعة، التي لا طائل منها سوى تغذية نفس القيادة بوهم الإنجاز، حتى تستنزف رصيد طاقتها السياسية قبل بلوغ نهاية السباق الأحادي الذي أقنعتها ظلالها بأنها تسير فيه نحو المجد. وربما تبلغ خط النهاية ذات يوم، فلا تجد حولها حتى من يصفق لها!



