


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
ثمة مفارقة صارخة تكاد تكون سريالية، حين يتصدّر ضياء الدين بلال المشهدَ واعظاً في شرف المهنة الصحفية، ومحاضراً في أُسس التوثيق وأمانة النقل – وهو الرجل الذي صرف سنواتٍ طويلةً من عمره الإعلامي يُجوّد في تغذية الحرب وإدامة أوارها، ويُحكم تأطير المأساة الكبرى للسودان في قالب “حرب الكرامة” الوطنية البرّاقة.
بينما كانت مدن السودان تحترق، وملايين أبنائه يُشرَّدون في صحاري النزوح ومخيمات اللجوء، كان بلال يُمضي قلمه في التسويغ والتحريض، ويرفع شعارات التعبئة بلغة الوطنية المصطنعة، مُقدِّماً كل من يدعو إلى وقف الحرب باعتباره جاهلاً أو خائناً أو عميلاً لأعداء السودان.
والأكثر إثارةً للدهشة أن هذا الرجل بالذات، الذي اتخذ من قلمه سلاحاً في خدمة خطاب الحركة الإسلامية وماكينة الدعاية العسكرية دون مساءلة أو تدقيق، يقف اليوم أمام الرأي العام ليُطالب مؤسسةً صحفية محترمة بأن تُثبت مصداقيتها وتُوثّق تصريحاتها! وهو درس بالغ الثقل، لو صدر من صاحب يدٍ نظيفة.
فأيّ توثيق هذا، وأيّ مصداقية، وأيّ مهنية يتحدث عنها رجل لم يُقدّم يوماً وثيقةً واحدة تُثبت أن ما بثّه طوال سنوات الحرب كان صحافةً حقيقيةً لا دعايةً موجّهة بالأمر والتوجيه؟
أما مشهد رحلته إلى لندن مع ثلّة من صحفيي الحركة الإسلامية، يحملون راية السلام بعد أن أشبعوا الحرب تأجيجاً وتسويغاً، فهو من المشاهد التي يعجز عنها أمهر كتّاب المسرح الساخر، إذ كيف يستقيم في منطق الضمير أن يكون المرء من أشدّ المنفّخين في كير الحرب، ثم يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه سفيراً للسلام على منابر العواصم الغربية؟ الجواب الوحيد هو أن هذه الانقلابات لا تصدر عن قناعة، بل تُملِيها حسابات المرحلة وأجندة المموّل.
إن المهنية الصحفية الحقيقية ليست فضيلةً خطابية تُستدعى عند الحاجة وتُودَع في الأدراج حين تكون مُكلِفة، بل هي أمانة يومية تبدأ من مساءلة النفس قبل مساءلة الآخرين، ومن الاعتراف بما اقترفه القلم من أخطاء حين صار أداةً في يد السلطة لا رقيباً عليها.
وما لم يبدأ ضياء الدين بلال بتلك المحاسبة العسيرة، ويعترف صراحةً بأنه كان جزءاً من منظومة أضرّت بالسودان وأطالت معاناة شعبه، فإن محاضراته في المهنية ستظل – في حكم التاريخ ومنطق الضمير – أشبه بمن ينصب نفسه حارساً على نار أشعلها بيديه.



