الأعمدة

كيف نحرك أنياب الفعل السياسي؟

صباح محمد الحسن..(ما لم يكتب في برلين)
أحمد عثمان محمد المبارك
كيف نحرك أنياب الفعل السياسي؟
اطلعت على القراءة التحليلية العميقة التي قدمتها الكاتبة صباح محمد الحسن في صحيفة الجريدة عبر زاويتها (أطياف)، وتحديداً في مقالها المعنون ب (ما لم يُكتب!!)، مما دفعني لإعادة قراءة المشهد السوداني من زاوية أكثر شمولية تتجاوز لغة الدبلوماسية المعتادة، فالمقال وضع إصبعه على جرح نازف يتعلق بطبيعة بيانات الترضية التي تخرج بها المحافل الدولية، والتي غالباً ما تأتي مخيبة للآمال لأنها تختار الوقوف في المناطق الرمادية تجنباً لإغضاب أي طرف ( على حد قول الكاتبة)، حتى لو كان ذلك على حساب دماء المدنيين وقوة الموقف السياسي المفترض.
اتفق مع الكاتبة من حيث أن مؤتمر برلين، رغم الزخم الذي أحيط به، بدا وكأنه يعيد إنتاج ذات الجمل الإنشائية المستهلكة، حيث غرق في العموميات حين تحدث عن حماية المدنيين دون أن يمتلك الجرأة على طرح آلية تنفيذية واحدة تترجم هذه الكلمات إلى أمن ملموس على الأرض. وباعتقادي، فإن طبيعة هذا المؤتمر يجب أن تُفهم بوصفها منصة ضغط دولية رفيعة المستوى، لكنها تظل منقوصة ما لم تتبنَّ الدول الداعية له، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، مشروع قرار حاسم داخل مجلس الأمن، فالأخير هو الجهة الوحيدة القادرة قانونياً ودولياً على وضع آليات التنفيذ، وفرض الرقابة على تدفق السلاح، وتحويل التعهدات المالية التي بلغت 1.3 مليار دولار من مجرد أرقام في الكشوفات إلى واقع يغير حياة النازحين في المعسكرات.
وفي هذا السياق، تبرز ملاحظة الكاتبة الجوهرية حول دور القوى المدنية المشاركة، وعلى رأسها وفد صمود، إذ لا ينبغي أن تنحصر مهمة هذه القوى في بروتوكولات الحضور ورد التحايا، بل كان لزاماً عليها انتزاع دور يتجاوز المشاركة إلى المتابعة اللصيقة. إن غياب لجنة متابعة مشتركة تضم ممثلين عن القوى المدنية والدول المنظمة يترك فراغاً خطيراً يسمح لجهات أخرى بالعبث بمخرجات المؤتمرات وإفراغها من محتواها السياسي، مما يجعل البيانات تخرج باهتة لا تلامس تطلعات المواطن الذي ظل يسأل بمرارة، متى وكيف؟.
ويبدو من قراءة ما بين السطور أن ثمة توجهاً أوروبياً قد بدأ يتشكل خلف الكواليس، ربما لإعادة هندسة الأزمة السودانية كملف أمني استراتيجي بعيداً عن المسارات الإقليمية التي تعثرت طويلاً. فاستخدام العبارات الفضفاضة بشأن العملية السياسية قد لا يكون مجرد ضعف في الصياغة، بل هو تعمد لترك الأبواب مواربة لترتيبات بديلة أو مسارات عدالة دولية موازية.
ويظل الرهان الحقيقي ليس في عدد المؤتمرات السنوية، بل في القدرة على تحويل الضغط الدبلوماسي الهادئ إلى قرارات دولية ملزمة تضع حداً لآلة الحرب وتنهي حقبة الإفلات من العقاب، بعيداً عن سياسات المحاور والاشتراطات التي تحاول استغلال حاجة البلاد في لحظة ضعفها التاريخية.

زر الذهاب إلى الأعلى