
بقلم: إسماعيل السيد أحمد
الجزء الأول
تٌعّد الحروب والنزاعات المسلحة من أكثر العوامل تأثيراً على الشعر والأدب -بصورة عامة-، إذ إنها تحيلهما من أداتي للتعبير الفني الراقي إلى وثيقة تاريخية وثقافية تسجل أهوال الحرب وتأثيرها على المجتمع، بخلاف الشعر الغنائي فإنه قادر على مواجهة آلة القتل وتحدي فظائع الحروب، وذلك من خلال نزعته التعويضيّة التي تستدعي قيّم الجمال وبواعث السكينة، فيحيل قِفَار الخوف إلى رياض الأمل، ودَياجير الموت إلى سناء الحياة، كما إنه يمثّل الهروب من عالم مُثقّل بالحروب والقهر إلى فضاءات رَحَائِب مُفعمة بالتفاؤل والرجاء.
ومما لا خلاف حوله، فأن الحروب تلقي بوارف ظلالها على لغة الشعر، ولذا نجد أن القارئ/ المستمع لأغنيات الحقيبة يلاحظ بشكل واضح استخدام شعراء الحقيبة لعدد كبير من المفردات ذات الطابع الحربي في منتوجهم الشعري، على الرغم من أن جميعهم لم يلتحقوا بالعمل في المؤسسات العسكرية القائمة آنذاك. كما لا ينبغي علينا اغفال السياق التاريخي التي كُتبت فيه تلك الاشعار، مما حدا بعدد من المؤرخين بوصف أغنية الحقيبة بأنها أغنية ما بين الحربين (الحرب العالمية الأولى والثانية).
يتناول الجزء الأول من هذا المقال أثر توظّيف المفردات الحربية في تشكيل البنية الجمالية في اشعار اغنية الحقيبة، ودوافع الاستخدام، والمدلول النفسي لتوظيف تلك المفردات. وبالتأكيد فإن المقال لا يتناول جميع اشعار الحقيبة حيث لا يتسع المجال لذلك، وإنما يستعرض بالتحليل بعض النماذج منها للاستشهاد بما تم ذكره.
ومن خلال اطلاعي على العديد من أشعار الحقيبة، تبيّن لي أن كثيراً من شعرائها استعاروا الالفاظ الحربية في وصفهم مفاتن محبوباتهم في اشعارهم لا سيما جمال عيونهنْ، ويتضح من اشعارهم بأنهم كانوا أسرى لعيون مُلهماتهم، مُستَلبين أمام سلطان نظراتهنّ وسحر أحداقهنّ؛ ولذا حظيت العيون وما يكتنفها من (لحاظ ورموش وأطراف وجفون) بحضور كثيف في صورهم الشعرية، فشبّهوها بالأسلحة التقليدية الفتاكة <>من (سيوف ونبال وسهام ورماح)، لمِا تحدثه من جراح مؤلمة تدمي قلوب العشّاق وتسلب افئدتهم.
ومما ينبغي بيانه، القول بأن شعراء الحقيبة قلَّما استخدموا اسلحة حديثة في وصفهم لأعين محبوباتهم. الأمر الذي يُبرز تأثرهم الواضح بشعراء الغزل في الأدب العربي في عصره القديم، حيث يُكثر فيه تشبيه اللحاظ بالسهام، والعيون بالنبال، والجفون بالأسياف، والأهداب بالرماح، بالإضافة إلى دور الأسلحة البيضاء في تحقيق الانتصارات الباهرة للثورة المهدية، ومن بعدها ثورة عبد القادر أمام ود حبوبه.
وتأسيساً لما تقدم، نجد أن الشاعر صالح عبد السيد (أبو صلاح) وصف الحاظ محبوبته في كثير من قصائده الغنائية بالسيوف، فمنها على سبيل المثال: قصيدته الغنائية ” يا بدور القلعة وجوهرا” في قوله: (السيوف ألحاظك تشهرا** على الفؤاد المن بدري ِانهـرا)، وكذلك في قصيدة “ظبي الرامة” التي تغنى بها الفنان/ ابراهيم عبد الجليل حين قال: (لي لحاظك كم سيف وسهام منثور** من صدير كاسي من نعاس وستور)، أما في قصيدته “يا جوهر صدر المحافل” وصف الالحاظ بالسهام في قوله: (سهم ألحاظك لي نابل**بي كل شيء دون هجري قابل). كما وصف الحاظها بالنبال وعيناها بالسهام معاً في قصيدته “قلبي همالو” وهو القائل: (وأخشى من لحظو ومن رمي نبالو**كـم جـريح سهام عينه ضاربالو). لقد استعار أبو صلاح في وصف الحاظ محبوبته من المعجم الحربي أدوات القتال التقليدية الثلاثة (السهام، السيوف، النبال).
وحذا الشاعر عمر البنا حذو الشاعر أبو صلاح حينما وصف الحاظ محبوبته بالسيوف الهندية المشهورة بجودة صناعتها، وصلابة معدنها، وحِدة نصالها، فصار ذكرها رمزاً للسيف القاطع البتّار، في قصيدته ” يا نعيم الدينا” حين قال: (سيــوف الهنــدي من لحظــات عينــك ** ليــه بيهــا تصيبنـي.. أيـه بينـي وبينـك)، كما وصف الحاظها بالسهام ايضاً في قصيدته الغنائية” زهر الروضـة نوّر” بقوله: (فاتكة سهام لحاظك**بي فتكاً زريع).
أقتفى الشاعر/ محمد البشير إثر هما حينما جعل من عينيّ المحبوبة أسيافاً حٌسام تحيل نظرات ملهمته إلى قوة مميته، لِما تتمتع به من جمال ساحر، وقوة تأثير، وشدة فتنة، ولذلك في قصيدته الغنائية “بين اشتياقي وصدها ” التي لحنها وغناها الفنان/ عبد الكريم عبد الله مختار “كرومه” محذراً النسيم من مغبة فتنة عيونها (بعد التحية وردّها.. شاهد مناظر خدّها.. وأحذر سيوف العين.. تجاوز حدّها).
وسار على خُطاهم النعلَ بالنعل الشاعر/ مصطفى بطران حينما وصف الحاظ محبوبته المصادمة بالسيف الباتر الذي شق فؤاده إلى نصفين في رائعته “زمن الربيع حلا” في قوله:
مابنسى لحظا كان بينه وفؤادي صدام
قطع الفؤاد نصفين وافاه من قدام
وكذلك في قصيدته الغنائية “عقلي انشغل بهواك” شبه لحظيها بسنان الرمح الحادة عندما رمقته بنظرتها، مما اضجع منامه وانتقص عمره قائلاً: (من يوم رماني سنان لحظك سنيني ** محق على نومي ومحق سنيني).
لقد نال رمش العين أيضاً نصيباً من الوصف، إذ استعار له الشاعر / أبو صلاح مفردات من المعجم الحربي، فجاء تصويره على نحو يوحي بالقوة والفتك. في قصيدته ” النية جدية السراح “في قوله: (يا أم رمشاً زي السلاح ** يا أم عارضاً في الظلمة لاح). وكما كان لوصف رمش عين المحبوبة قسطاً من المفردات الحربية، للطَرَف <> ايضاً حظوة من ذلك عند الشاعر أبو صلاح في قصيدته ” بلّغ الأقْوال يا هلال” حينما وصف جفنها/ طرفها بالسيف دلالةً على أثر حدته، وقدرته على إصابة قلب العاشق، وإحداث جراح غائر على فؤاده. (طَرفــُو سيــــف يتـــَــــــلامَع قُبَال** الوتــَـر والقــُــــوس والنّبـــــــــَــال).
وفي قصيدة “يا جوهر صدر المحافل” ماثل الشاعر / أبو صلاح بين لحظ المحبوبة بالسيف، وهي مماثلة تحمل دلالات متعددة، إذ نقل الشاعر أداة الحرب والفتك من مجالها الحقيقي إلى المجال العاطفي، ليُضفي على صورة المحبوبة قوةً وتأثيراً درامياً تبّرز من خلاله شدة افتتان العاشق بها (صدرا يرجح وكتفه خاتل**رنا طرفك للسيف يماثل).
ومن خلال اطلاعي على الكثير من أشعار الحقيبة لاحظت بأن الشاعر أبو صلاح من أكثر الشعراء وصفاً للألحاظ، بل تفوق عليهم في المفارقة الشعورية والصورة البلاغية عندما جعل الحاظ محبوبته تجمع بين الألم والمتعة في آنٍ واحد، في قوله: (لحظك الجراح** اذايّ فيه الطرب والراح). الجمال الأبرز في البيت يكمن في اجتماع المتناقضات؛ إذ إن «الجراح» توحي بالألم، بينما «الطرب والراح» يوحيان بالمتعة والسرور والسكينة، فكأن العاشق يجد لذته في عذابه، وراحته في ألمه.
وفي تطور لافت لشعراء الحقيبة في هذا الصدد استخدامهم للأسلحة الحديثة في وصف محاسن محبوباتهم، حيث استحضر الشاعر/ عمر البنا في قصيدته “هجد الانام” آلة القتل الفتاكة «القنابل» لوصف نهود محبوبته باعتبارها رمزاً للقوة المميتة، ليُجسّد بها الأثر المُهلك لجمال نهودها؛ إذ شبّه مفاتنها بالقنابل في صورة بلاغية توحي بعنف التأثير والانفجار الوجداني الذي يهزّ النفس، ويبدّد قدرة العاشق على المقاومة (في صدرك قنبل** كم أسلم كافر).
وفي قصيدة “خِليّ العيش حرام” يزاوج الشاعر أبو صلاح في معركته التي يخوضها مع مفاتن محبوبته بين الأسلحة التقليدية والأسلحة الحديثة، حيث تتجلّى المفارقة بين شجاعته في تلك المعركة وضعفه وخشيته أمام جمالها، فالشاعر يواجه الرماح والمدافع بسالة وثبات، لكنه يهاب ويفزع من خصرها الاهيف المنفقل، ويخشى سيف عيونها اللامعة، وفي ذلك صورة فنية تُعظّم أثر الجمال وتُظهر استسلام العاشق له. ويقوم جمال هذه الأبيات على المزج بين لغة البطولة العسكرية ولغة الغزل الاستسلامية.
بنخوض الرماح لو كـان تـزيد او تقيل
ونخاف مـن ضـميرو الأهيف المنفـقيل
وبنقـابل المدافـع بالثـبات والعـقيل
ونهاب سيف عيونه اللمعو يبرق صقيل
ومن بين المفردات الحربية الشائعة الاستخدام في عهد الحروب كلمة “قتل” والتي تحمل أثراً نفسياً عميقاً وسالباً، حيث يؤدي سماعها إلى ردود افعال نفسية عنيفة وجسدية مؤلمة، بيد أن تصوير الشاعر/ إبراهيم العبادي في قصيدته “حيّ ألم الفراق” لجمال نهود المحبوبة بـ«التلة» وكأنه قوة قاتلة تفتك بالعشاق، هو -دون أدنى شك- تعبير مجازي يفصح عن شدة الافتتان والانهيار العاطفي أمام الجمال، في قوله (عبي نهوده كالتلة ** وجاء يكتلنا).
لقد شرعن الشاعر/ أبو صلاح في قصيدته «خِليّ العيش حرام» لفكرة الموت العاطفي، حين جعله كامناً بين رموش محبوبته وطرفها الكحيل، في قوله:
خلّي العيش حرام ما دام أراك الموت يَحِلّ
ما بين الرميش فوق الطريف الكحيل
في صورة بلاغية تقوم على المبالغة في أثر الجمال وسطوته الوجدانية، اختار الشاعر الموت في منطقة بين رميش محبوبته وطرفيها الكحيل، هذه المنطقة تحديداً تمثّل في مخيّال الغزل العربي موطناً للسحر والفتنة ومركزاً للجمال والتأثير العاطفي، حيث جعل من تلك المنطقة فضاءً رمزياً للهلاك العشقي الذي يستسلم له العاشق طوعاً واختياراً.
مزّج الشاعر/ أبو صلاح الغزل بالخيال العسكري، في قصيدته “فريع البان” عندما حوّل مفاتن المحبوبة إلى مشهد قيادي حربي ينبض بالحركة والهيمنة، ويخضع العاشق له دون مقاومة، في قوله: (وصديرك قائد** والديس جنده) إذ إنه صوّر صدر محبوبته بالقائد، وشعر ها المنسدل بالجنود الذين يتبعونه، هي صورة تمنح عناصر الجمال صفات بشرية وحركية، فتبدو وكأنها قائداً لجيش منظّم يفرض سطوته وطغيانه على العشاق.
استخدام شعراء الحقيبة للمفردات الحربية في اشعارهم الغنائية يحمل مدلولًا نفسياً عميقاً يتجاوز المعنى الحرفي، ويعكس حالة وجدانية مركّبة بين العشق والصراع الداخلي، كما إنها تُجسّد حالة الحب بوصفه تجربة نفسية عنيفة، يختلط فيها الانبهار بالألم، والهُيام بالهزيمة، في صورة فنية تعكس عمق الاضطراب العاطفي لدى العاشق.
الجزء الثاني من المقال يحاول الأجوبة على الأسئلة التالية: –
• هل وظّف شعراء الحقيبة في قصائدهم الغنائية مفردات ذات طابع حربي خارج إطار وصف مفاتن المحبوبة؟
• هل قدّم شعراء الحقيبة تجربة الحب بوصفها معركة وجدانية؟ وما الأسلحة الرمزية التي استعانوا بها في تصويرها؟ ومنْ هم ضحايا هذه المعركة؟ ولمنْ تكون الغلبة والانتصار المعنوي فيها؟
• إلى أي مدى أسهم السياق التاريخي والاجتماعي المصاحب لنشأة شعر الحقيبة في توجيه مضامينه وصوره البلاغية وبنيته التعبيرية؟



