المشهد السياسي في السودان أصبح يُقرأ بإمتياز من خلال تحركات المركبات العسكرية في شوارع لم تشهد هدوءاً منذ سنوات ولم يعد يُقرأ من خلال البيانات الرسمية أو تصريحات المسئولين.
في قلب هذا المشهد المرتبك، تقف شخصية مثيرة للجدل تجسد بعبقرية سوداء هذا التحول الخطير، جبريل إبراهيم قائد حركة مسلحة ونموذج حي لسياسي لم يتجه نحو الممارسة السياسية المدنية حتى بعد توقيه لاتفاق سلام، ولم يدفعه ذلك لترك سلاحه عند باب الوزارة، وأن منصب وزير المالية مجرد واجهة إذا خلت اليد من البندقية.
جبريل جاء إلى السلطة عبر اتفاق جوبا للسلام في 2020. سلاحه لم يغادر دارفور فقط، بل تبعه إلى قلب الخرطوم. واليوم، عندما تتحدث عن وزارة المالية، فأنت تتحدث عن غرفة عمليات، وعن نقطة تجمع لعربات الدفع الرباعي”التاتشر” في جنوب العاصمة، وعن رجل يعرف أن منصب الوزير لا يُحميه القانون بل من يملكون البنادق تحت إمرته.
أوضاع الجنود
السؤال الذي يوجعه ويوجع قادة الجيش معه ماذا يريد جبريل إبراهيم بالضبط؟ هل يريد البقاء في منصبه بأي ثمن؟ أم يريد أن يبني كياناً شبه دولة داخل الدولة؟
قبل أن نتحدث عن النوايا، لننظر إلى الأرقام. لأن الأرقام، في عالم السياسة والعسكر، لا تكذب. لكنها في السودان، تخفي أكثر مما تكشف.
الجيش السوداني على الورق وفقاً لتقديرات متعددة (بما فيها Global Firepower)، يبلغ إجمالي القوة البشرية للجيش في الخدمة الفعلية ما بين 200 ألف إلى 300 ألف جندي. يتوزع هؤلاء بشكل أساسي على القوات البرية (أكثر من 85% من الإجمالي)، بينما يبلغ عدد أفراد سلاح الجو نحو 13 ألف فرد، والقوات البحرية نحو ألفي فرد، بالإضافة إلى قوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة.
هذه الأرقام تجعل السودان يحتل مرتبة متقدمة عالمياً من حيث حجم القوى البشرية، لكنه يتراجع بشكل كبير في ترتيب القوة العسكرية الإجمالية، ما يعكس فجوة حقيقية بين العدد والجاهزية، ناهيك عن أن الواقع الميداني يؤكد وجود استنزاف حاد يجعل الأعداد الفعلية القادرة على القتال أقل بكثير من هذه التقديرات النظرية.
لكن ماذا تعني هذه الأرقام على الأرض؟ هذه الأرقام خيالية مقارنة بالواقع. الحقيقة القاسية التي لا تظهرها هذه الإحصاءات هي أن الجيش يعاني من استنزاف بشري هائل. وحدات بأكملها تعمل بأقل من نصف قوامها، وجنود يُجندون للمرة الثانية والثالثة فيما يعرف عسكريا بإعادة التجنيد دون راحة، وآلاف القتلى والجرحى منذ اندلاع الحرب في 2023 لم يتم تعويضهم. العدد الحقيقي للجنود القادرين على القتال اليوم ربما لا يتجاوز نصف هذا الرقم، إن لم يكن أقل.
المصادر السودانية غير الرسمية تشير إلى أن القوات المسلحة السودانية كان قوامها قبل الحرب نحو 500 ألف جندي. هذه الفجوة الهائلة بين الأرقام النظرية والواقعية قبل وبعد الحرب تعكس كارثة حقيقية جيش منهك، مقاتلوه يعرفون أن أسمائهم موجودة في الكشوفات لكن أجسادهم لم تعد قادرة على الصمود.
القوات المشتركة
أما القوات المشتركة والتي تنتمي إليها حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، فتقديراتها تشير إلى أن قوة عدد المقاتلين (تقديريا) لحركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم ) 3 – 7 ألف فرد بينما المركبات القتالية ما بين 400 – 500 مركبة “تاتشر” ، فيما تمتلك حركة جيش تحرير السودان (مني أركو مناوي) من 5 ألف إلى 10 ألف فرد والمركبات القتالية حوالي 600 – 1,200 مركبة “تاتشر”.
هذه الأرقام، حتى لو كانت مبالغاً فيها قليلاً، تظهر حقيقة مهمة الا وهي ان القوات المشتركة تمثل قوة لا يُستهان بها، لكنها بالمقارنة مع الجيش (حتى المنهك) تبقى أصغر حجماً. السؤال ليس من الأكبر عدداً، بل من الأكثر تنظيماً وولاءً وقدرة على المناورة. وهنا تكمن مأساة الجيش وحداته النظامية تتبع قيادة واحدة لكنها مستنزفة، بينما خصومه المحتملون من “الحلفاء” يمتلكون مرونة أكبر وعربات أخف وزناً وأسرع حركة.
ماذا يحدث في الخرطوم؟
في جنوب الخرطوم هذه الأيام، هناك منطقتان تحديداً نشهد فيهما تحركات غير معلنة لقوات العدل والمساواة حي “جبرة وجبل أولياء”.
في جبرة ذلك الحي الممتد على بعد 15 كيلومتراً جنوب وسط الخرطوم هو بوابة جنوب العاصمة، وطريق الإمداد البري الواصل إلى ولاية الجزيرة التي تبعد نحو 200 كيلومتر جنوباً، وممر استراتيجي لكل من يريد العبور من الخرطوم إلى أواسط السودان.
أما جبل أولياء، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوب غرب وسط الخرطوم، فهي بوابة كردفان ودارفور، وأول معاقل قوات الدعم السريع التي سقطت في نهاية مارس من العام الماضي.
السيطرة عليها تعني السيطرة على شريان الإمداد البري الوحيد الذي يربط العاصمة بغرب السودان وممر إمداد الدعم السريع السابق.
لهذا السبب، انتشرت قوات جبريل إبراهيم هناك لتحويلها إلى ثكنة عسكرية متقدمة تراقب تحركات الجيش وتؤمّن خطوط إمدادها الخاصة نحو العاصمة وليس فقط لتأمين هذه النقطة العصبية كما يروج اعلاميا. جبل أولياء هي نقطة “اللص” الذي يمسك بمفتاح الدار.
خيارات استراتيجية
لماذا اختار جبريل هذه المناطق تحديداً؟ ليس لأنه يريد تحريرها من عدو، فالعدو بالنسبة له لم يعد موجوداً في الخرطوم منذ مايو الماضي. بل لأنه يريد أن يكون هو العدو البديل في حال حاول أحد إزاحته. جبريل يعرف أن الجيش منهك، وأن القيادة العامة تفكر (حسب تسريبات غير مؤكدة) في تغيير وزراء من الحركات المسلحة بحجة “إعادة هيكلة الحكومة”.
هو يعرف أن فقدان وزارة المالية يعني فقدان القدرة على تمويل حركته، ودفع رواتب مقاتليه، وشراء قطع الغيار لعرباته المصابة. إذن، ما العمل؟ الحل بسيط بقدر ما هو خطر أن تنشر قواتك في أماكن حساسة من العاصمة، ليس لتقاتل، بل كصوت تحذير وترهيب.
هذه هي العقلية التي يفسر بها جبريل السياسة “لن أترك منصبي طواعية، ومن يحاول إبعادي سيجدني حاضراً في الشارع قبل أن يجدني واقفاً في القاعة”.
وهذه ليس مجرد تحليل وقراءة؛ فحركة العدل والمساواة نفسها أصدرت بياناً قبل أيام نفت فيه “تحريك قواتها نحو الخرطوم”، لكنها لم تنفِ وجود قواتها أصلاً في الخرطوم. هذه هي لعبة الكلمات التي يتقنها رجال السلاح “نحن هنا ولسنا هنا، نحن معكم وقد نكون ضدكم، لا تستفزونا”.
قصة جبريل مع وزارة المالية هي قصة قائد مليشيا يحاول تحويل خزينة الدولة إلى صندوق حرب خاص به، وليست قصة وزير يحاول إنقاذ اقتصاد منهار.
وزير المالية وفقا لجبريل هو المتحكم في ميزانية الجيش بالكامل، في مرتبات الضباط، في صفقات شراء الأسلحة، في وقود العربات، في عقود الإمداد. إذا أراد الجيش شراء قطع غيار لطائراته، يمر الأمر من مكتبك. إذا أرادت أي وحدة عسكرية الحصول على مخصصاتها المالية، لا بد أن يوقع هو على أذن الصرف.
في دولة عادية وفي ظروف طبيعية هذا يسمى “رقابة مالية”. في السودان اليوم، هذا يسمى نفوذ مطلق.
هذا ما يجعل منصب وزير المالية في السودان أشبه بـ”القنبلة الاستراتيجية”. من يمسكها يملك تهديداً صامتاً. وجبريل يعرف أن إقالته من هذا المنصب ستكون إعلان حرب غير مباشر. وعليه، هو يتمسك به ليس لأنه يحب الحسابات والأرقام، بل لأنه يعرف أن من يترك الحقيبة يفقد السكين.
ميزانية الجيش
وفقاً لتقرير Global Firepower، تقدر الميزانية الدفاعية للسودان للعام الحالي بنحو 2.5 مليار دولار أمريكي. هذا المبلغ، مهما كان متواضعاً مقارنة بجيوش المنطقة، هو بمثابة رمز للقوة في بلد منهك. جبريل هو من يوقع على صرف هذه المليارات.
أما المفارقة الغريبة أن جبريل لم ينتصر في أي معركة كبرى في حياته. لا في دارفور، ولا في الخرطوم، ولا في أي مكان.
في 10 مايو 2008، في العملية التي عُرفت باسم الذراع الطويلة حين تقدمت قوات حركة العدل والمساواة من دارفور عبر مسافات طويلة داخل الصحراء، ووصلت إلى أطراف العاصمة، وتمكنت فعلياً من دخول مدينة أم درمان، في أول محاولة من نوعها لحركة متمردة للوصول إلى قلب السلطة في السودان.
قاد شقيقه خليل إبراهيم هذه المحاولة اليائسة لدخول العاصمة من الغرب. كانت المعركة أشبه بموكب موت. فبعد معارك حشدت لها على عجل القوات المسلحة إنتهت المغامره بالفشل، و لاحقا قُتل خليل إبراهيم في كمين في بوادي دارفور، وتشتت حركته لسنوات. جبريل الذي خلفه لم يحاول حتى الانتقام. ظل متوارياً في ليبيا وجنوب السودان، ينتظر الفرصة.
أتته الفرصة ليس عبر البندقية، بل عبر السياسة. بعد سقوط البشير في 2019، فتحت الثورة الباب للجميع، ومنهم من حمل السلاح بالأمس. وقعت الحكومة الانتقالية اتفاق جوبا، ودخلت الحركات المسلحة إلى القصر الرئاسي عبر الباب الخلفي للتفاوض، لا عبر نصر ميداني. جبريل لم يحرر مدينة واحدة، ولم يهزم لواء واحد، لكنه حصل على وزارة المالية.
هذا التحليل يفسر سلوكه اليوم هو لا يريد أن يقاتل الجيش، ولا يريد أن يُطيح بالدولة. يريد فقط أن يبقى ضمن المنظومة، لأن البقاء فيها أسهل وأربح من الخروج عليها. خارج الوزارة، هو مجرد قائد مليشيا من 3 إلى 7 آلاف مقاتل يواجه جيشاً بكامل أسلحته. داخل الوزارة، هو رجل لا يُمس، يتحكم في ميزانية تبلغ 2.5 مليار دولار.
ثلاثة سيناريوهات
يمكن رسم ثلاثة أهداف رئيسية لجبريل إبراهيم، أولها الحفاظ على المنصب بأي ثمن. هذا ليس طمعاً شخصياً بقدر ما هو غريزة بقاء. ثانيا، تأسيس “دولة داخل الدولة”. لن تسمع هذا في بياناته الرسمية، لكن النظر إلى تحركات قواته في جنوب الخرطوم يكشف النقاب. جبل أولياء وجبره ليستا منطقتين عشوائيتين؛ هما موطن لمخازن السلع الأساسية، ومستودعات الوقود. السيطرة عليها تعني السيطرة على إمدادات الخبز والغاز وقطع الغيار في العاصمة. هذا حصار اقتصادي هادئ وليس عملاً عسكرياً، يؤسس ليكون “الحاجب” الذي لا يمكن تجاوزه في أي صفقة تجارية كبرى في الخرطوم. أخيرا، تحويل حركته من “فاشلة عسكرياً” إلى “ضرورية سياسياً”. فهو يعرف أن التاريخ لن يذكره أبدا كفاتح أو محرر. هو يريد أن يُبيض سجله بجواز سفر سياسي نظيف.
وهذا يفسر لماذا ينفي أي تحركات عسكرية لحركته في الخرطوم، ويؤكد مراراً التزامه بقيادة الجيش. هو يعرف أن أي مواجهة مباشرة مع الجيش قد تعيده إلى نقطة الصفر، وربما إلى قاع الهاوية. لذا فهو يلعب لعبة “الولاء الظاهري” ببراعة “نحن معكم، ثقوا بنا، ولا تمسوا مناصبنا”.
اللعب بأمن المواطنيين
المواطن لا يعنيه كثيرا موازين القوى أو خطوط الإمداد. المواطن الذي يعيش في الخرطوم أو بحري أو أم درمان، كيف يشعر عندما يعرف أن وزير مالية البلد يقود عربات “تاتشر” مسلحة برشاشات ثقيلة في جنوب العاصمة؟
لا توجد إجابة مريحة فالمواطن يرى أن الدولة تحولت إلى “شركة مساهمة” بين أمراء الحرب. وزير المالية (الموظف العام) أصبح “حامياً” لمنطقة نفوذه والجيش الذي يفترض أن يكون ظل الدولة، يراقب هذه التحركات بصمت ربما يكون عاجزاً أو ربما يكون متواطئاً.
إذن المواطن لا يستطيع أن يفرق بين من يحميه ومن يهدده. في جنوب الخرطوم، تمر عربة “تاتشر” تابعة للعدل والمساواة، فيعتقد الناس أنها قوة أمنية تابعة للدولة. أو تمر عربة تابعة للجيش، فيظنونها ميليشيا أخرى. هذا التداخل ليس عيباً ثانوياً، هو جوهر الأزمة. الدولة التي لا تحتكر العنف ولا تفرق بين أذرعها المسلحة، هي دولة سراب.
المواطن السوداني اليوم لا ينتظر من جبريل أن يقدم له موازنة متوازنة أو خطة إنعاش اقتصادي. ينتظر أن يغادر منصبه، أو أن يغادر سلاحه، أو أن تختفي الدولة نهائياً. وأي من هذه الاحتمالات لا يبشر بخير.
الخيارات أمام القيادة العسكرية محدودة ومؤلمة، يمكنها ترك جبريل في منصبه، فيستمر في بناء “دولته الصغرى” داخل الدولة، وتظل المالية جبهة قتال لا إدارة اقتصادية.
ويمكنها إقالته، فتواجه احتمالية اشتباكات في شوارع العاصمة مع “حليف سابق” تحول إلى عدو جديد. ويمكنها، في سيناريو شبه مستحيل، إقناعه بالتخلي عن سلاحه مقابل حقيبة وزارية أخرى أو مستشارا أو نائباً لرئيس الوزراء كما قيل، وهو أمر يبدو مستبعداً لأنه جرب طعم النفوذ المزدوج (السلاح والمنصب) ولن يتخلى عنه.



