كيف تزعم قوة عسكرية امتلاكها للثقة بالنصر الكاسح، بينما تتعامل مع قرار المدنيين بالنجاة من الخطر كعمل عدواني يستوجب القتل؟
مجاهد بشري
يظل التناقض المنطقي في التصريح المنسوب للقائد أبو عاقلة كيكل، الذي يهدد بإطلاق النار على المدنيين الفارين من الأبيض، هو السؤال المحوري: كيف تزعم قوة عسكرية امتلاكها للثقة بالنصر الكاسح، بينما تتعامل مع قرار المدنيين بالنجاة من الخطر كعمل عدواني يستوجب القتل؟
هذا التناقض يكشف عن دافع خفي يتجاوز مجرد “ضبط الخطاب” أو “السيطرة العسكرية”، ليلامس نقطة الضعف الأعمق للقوات المدافعة: الخوف من الانكشاف التام أمام كثافة نيران الخصم.
تُعد الأبيض نقطة ارتكاز عسكرية حاسمة في قلب كردفان، وتضم إحدى أقدم فرق الجيش (“الهجانة”) وتُستخدم كقاعدة إمداد وتموين رئيسية. هذه الأهمية تجعل الحفاظ عليها مسألة حياة أو موت للوجود العسكري في الإقليم.
كيكل، الذي اكتسب ثقلاً بعد انشقاقه عن الدعم السريع ونجاحه في تعزيز العمليات الاستخبارية للجيش، يرى أن أي تهاون في الدفاع عن الأبيض يعني فقدان شرعيته الجديدة، لأنه مدفوع بإثبات ولائه للجيش.
لذلك فإن توجيه التهديد لمنع السكان من مغادرة الأبيض لا يُفسر إلا كـ إجراء دفاعي وقائي مدفوع بالرعب من تكرار كارثة سابقة، وتحديداً ما حدث في مدينة بابنوسة.
لقد شهدت القوات المسلحة السودانية سقوط الفرقة 22 مشاة في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان. هذا السقوط لم يكن مجرد هزيمة، بل كان درساً قاسياً للقوات المدافعة في المدن الشبيهةاو التي ستكون خالية من السكان:
قوة النيران في مدينة خالية سهّلت سيطرت قوات الدعم السريع على الفرقة 22 بعد قصف مدفعي وإطلاق قذائف ثقيلة ومُسيَّرات ضد المواقع الدفاعية. عندما تكون مدينة استراتيجية خالية من المدنيين، لا يتردد الخصم في استخدام كثافة نيرانه القصوى، بما في ذلك المدفعية والصواريخ، لتدمير التحصينات.
الانسحاب والانهيار المعنوي الذي انتهت به المعركة بانسحاب الجنود والضباط جنوباً نحو هجليج، قبل أن يُخلي بعضهم مواقعه وينسحب بالكامل إلى دولة جنوب السودان. هذا الانسحاب غير المنظم، الذي شمل نجاة بعض القادة، يعني أن القوات الموجودة في الأبيض قد سمعت مباشرة عن مدى الفتك الذي تعرضت له قوات بابنوسة حين وجدت نفسها مكشوفة بالكامل تحت نيران ثقيلة في مدينة خالية من الغطاء البشري.
الوظيفة التكتيكية: المدنيون كـ “تأمين عملياتي”
بناءً على درس بابنوسة، ترى القيادة في الأبيض أن النزوح الجماعي لا يهدد السيطرة فحسب، بل يهدد وجود القوات نفسها.
درع الردع ضد المدفعية:
وجود السكان يفرض قيوداً على استخدام الدعم السريع للقصف العشوائي والمكثف بالمدفعية والقذائف الثقيلة، ويقلل من فعالية طائراته المسيّرة. فالمدينة المأهولة تُشكِّل كلفة سياسية وأخلاقية لأي هجوم كاسح.
منع الانكشاف: القائد الذي يمنع النزوح بالقوة هو في الحقيقة يمنع نفسه من الوقوع في نفس الموقف الذي انهار فيه زملاؤه في بابنوسة، حين وجدوا أنفسهم أهدافاً ثابتة للقصف المكثف دون غطاء بشري.
هذا التهديد هو بالتالي صرخة يأس مدفوعة بالخوف من القوة النارية للعدو، يتم استبدال فيها الحماية القانونية للمواطن بحاجة الجندي إلى غطاء عملياتي يحميه من الانهيار التكتيكي.
الدلالات النفسية والقانونية مابين الانهيار النفسي وفرض الولاء
النزوح، في عين القائد، يُفهم كـ “إعلان انهزام”. حين يرى الجندي أن السكان يفرون، تتلاشى الروح المعنوية وتزداد احتمالية الانهيار السريع كما حدث في سوابق عسكرية أخرى. التهديد بالرصاص هو محاولة لعكس هذا الانهيار وفرض إرادة الصمود القسري على السكان. هذا يُحول المدني إلى أداة حرب تهدف إلى تثبيت معنويات القوات المدافعة وضمان ولائها.
الانتهاك القانوني: احتجاز المدنيين قسراً
إن منع المدنيين من الفرار من منطقة قتال وشيكة يمثل انتهاكاً جسيماً ومباشراً لأهم مبادئ القانون الدولي الإنساني:
انتهاك حق الحياة وحظر التمييز: للمدنيين حق أصيل في النجاة والحماية من الهجوم المباشر. والتهديد بالقتل لمجرد محاولة النزوح لإنقاذ الحياة يُعد حرماناً تعسفياً من حق الحياة وتطبيقاً للعقاب الجماعي على أساس الاشتباه العام، وهو محظور تماماً.
الاحتجاز القسري (النزوح العكسي): تحظر القاعدة 129 من القانون الدولي الإنساني على الأطراف الأمر بنزوح المدنيين، إلا إذا كان ذلك لـ “أمن المدنيين المعنيين” أو “لأسباب عسكرية قهرية”. في حالة الأبيض، فإن المدنيين هم من يختار النزوح لحماية أنفسهم، والتهديد بالرصاص لمنعهم هو شكل من أشكال الترهيب لإبقائهم قسراً في منطقة الخطر، مما يرقى إلى مستوى الاحتجاز والنزوح القسري العكسي، الذي لا يمكن تبريره بأي “ضرورة عسكرية” دائمة.
مسؤولية القيادة
إن التهديد العلني الصادر من كيكل يُعد دليلاً على نية جنائية محتملة، ويضع كيكل والقيادة العسكرية الأعلى التي لم تُدن هذا الخطاب تحت طائلة المسؤولية الجنائية الفردية عن أي انتهاكات تُرتكب نتيجة لهذا الأمر.
إذا كنت واثقاً من عدم سقوط المدينة، فلماذا تعاقب المدني على نجاته؟
التهديد بالرصاص ضد النازحين في الأبيض يكشف أن القيادة العسكرية اختارت غلبة حاجة الجندي للدفاع التكتيكي على واجبها في حماية المدنيين. هذا القرار يكشف أمرين معاً:
الخوف الميداني: اعتراف غير مباشر بالخوف من القوة النارية للدعم السريع حال خلو المدينة، وهو خوف غذّته كارثة الفرقة 22 بابنوسة.
استغلال المدنيين: تحويل المدنيين إلى عنصر دفاع عملياتي “غير طوعي” وورقة ضغط، لا يختلف كثيراً عن استخدامهم كدروع بشرية لتقييد حركة الخصم.
أي سلطة تقتل الناس لأنهم يحاولون النجاة، لا تحمي مدينة؛ هي تحتجزها، وبذلك تتخلى عن شرعية حماية الإنسان السوداني لصالح متطلبات الصمود العسكري.



