الأعمدة

الخارجية الأمريكية : القيادة العسكرية السودانية، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، هي الطرف الذي يعرقل جهود السلام، وليس القوى المدنية

مجاهد بشري
لم يكن بيان وزارة الخارجية في بورتسودان ردًا دبلوماسيًا تقليديًا على تصريحات مستشار البيت الأبيض للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس، بل مثّل في مضمونه رسالة سياسية عالية النبرة موجّهة مباشرة إلى واشنطن، وفي توقيت بالغ الحساسية يعكس تحوّلًا واضحًا في المزاج الأمريكي تجاه الحرب في السودان.
فاللغة التي استُخدمت، والمشبعة بمفاهيم السيادة ورفض التدخل ورفض أي مقترحات لا تتماشى مع ما تسميه الحكومة “المصالح العليا”، لا تُقرأ في العرف الدبلوماسي الأمريكي بوصفها دفاعًا سياديًا، بل باعتبارها رفضًا صريحًا لمسار تقوده الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
وجاء هذا البيان بعد أيام فقط من تسريبات أمريكية نشرتها مجلة Africa Intelligence أكدت فيها أن القيادة العسكرية السودانية، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، هي الطرف الذي يعرقل جهود السلام، وليس القوى المدنية أو بقية الفاعلين كما ظل خطاب بورتسودان الرسمي يروّج طوال الأشهر الماضية.
هذا التحوّل في الرواية الأمريكية ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس انتقال واشنطن من مرحلة الوسيط الحذر إلى مرحلة تحديد المسؤول السياسي المباشر عن استمرار الحرب.
في الدبلوماسية الدولية، حين تبدأ قوة كبرى كالولايات المتحدة في تسمية المعرقل، فهذا يعني أن مرحلة المجاملات انتهت، وأن أدوات الضغط باتت قيد التحضير. بيان بورتسودان، بدل أن يخفف من هذا الاتجاه، جاء ليؤكده ويمنحه مبررًا إضافيًا.
فالإدارة الأمريكية لا ترى في مثل هذه البيانات تعبيرًا عن استقلال القرار الوطني، بل تفسرها بوصفها تحديًا سياسيًا ورفضًا متعمّدًا للتعاون في ملف تعتبره أولوية أمنية وإنسانية.
وتزداد خطورة هذا التحدي في ظل إدارة يقودها الرئيس ترامب، المعروف بأسلوبه الصدامي في السياسة الخارجية، حيث لا مكان طويلًا للمساومات الدبلوماسية الناعمة، ففي عقلية ترامب السياسية، من يعرقل خططه يُعاقَب، ومن يتحدّى ضغوطه يُعزل، ومن يحرجه علنًا يُواجه بإجراءات قاسية وسريعة. وبيان الخارجية السودانية جمع بين الثلاثة معًا، إذ رفض المقترحات الأمريكية، ووجّه رسالة تحدٍ علنية، وقدّم نفسه كطرف غير متعاون في إنهاء حرب دامية، ولا يمكن قراءة هذا الرفض دون استشارة حلفاء بورتسودان الإقليميين.
الأرجح أن واشنطن ستنتقل في المرحلة المقبلة من التلميح إلى التصريح المباشر بتحميل البرهان مسؤولية إفشال مسارات السلام، سواء عبر بيانات رسمية من الخارجية الأمريكية أو من خلال مواقف أكثر وضوحًا في مجلس الأمن والمحافل الدولية. ومع هذا التحول، سيبدأ الغطاء السياسي الدولي الذي ظل يحمي سلطة بورتسودان في التآكل السريع، لتتحول من طرف “تفاوضي متعثر” إلى طرف “مُعطّل متعمّد”.
وبالتوازي مع ذلك، يُتوقع أن تتجه الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات نوعية ذكية تستهدف قادة عسكريين بعينهم، وشبكات مالية وشركات واجهة مرتبطة بالجيش وتمويل الحرب، بدل العقوبات الشاملة التي تضرب الشعوب. هذا النمط من الضغط أثبت فعاليته في شل قدرة الأنظمة على المناورة دون إثارة كلفة إنسانية واسعة، وهو ما يناسب تمامًا المشهد السوداني الحالي.
كما يُرجّح أن تبدأ واشنطن عمليًا في نزع الشرعية الواقعية عن حكومة بورتسودان، حتى وإن لم تعلن ذلك صراحة في البداية. سيظهر ذلك في شكل انفتاح سياسي متزايد على قوى مدنية وتحالفات بديلة، ودعم مسارات انتقالية لا يكون البرهان مركزها، ما يعني تجاوزه تدريجيًا كعنوان سياسي للحل. وفي حال استمرار التعنّت، قد تنتقل الولايات المتحدة إلى فرض مسار سلام مدعوم إقليميًا ودوليًا يُفرض كأمر واقع، كما حدث في نزاعات أخرى حين فشلت الضغوط الناعمة.
في المحصلة، لم يكن بيان خارجية بورتسودان دفاعًا عن سيادة السودان بقدر ما كان مواجهة مباشرة مع القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في ملف الحرب. وبدل أن يحصّن موقع البرهان، سرّع انتقاله إلى أخطر موقع سياسي يمكن أن يقف فيه أي قائد، وهو موقع المتهم بعرقلة السلام أمام إدارة أمريكية لا تتسامح مع من يعرقل أولوياتها الاستراتيجية. المرحلة المقبلة، على الأرجح، لن تكون مرحلة حوار ومجاملات، بل مرحلة ضغط، عزل، وإعادة تشكيل للمشهد السياسي السوداني دون انتظار موافقة بورتسودان، وكان هذا البيان الشرارة التي عجّلت بانطلاقها.

زر الذهاب إلى الأعلى