الأعمدة

الأسماك الميتة وحدها هي التي تسبح مع التيار

كتب الصحفي/ فائز السليك :
في عام ٢٠٠٠، هاجمني مولانا محمد عثمان الميرغني، رئيس التجمع الوطني الديموقراطي في مؤتمر صحفي عندما وجهت له عدة اسئلة، رد مولانا وقال الحمد لله انو مراسل جريدة (( الحياة)) _ تصدر من لندن_ موجود بينا هنا، وسوف اسافر لندن، وسيكون لي كلام هناك، ثم قرأ الآية الكريمة من سورة الحجرات ((﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)).
كان مولانا غاضباً لأنني كتبتُ خبراً في الجريدة اللندنية التي كنت اعمل بها مراسلاً من اسمرا، بل أضاف إلى خبراً كان قد نشره صديقي وزميلي عبدالعليم حسن مراسل صحيفة (( الشرق الأوسط)) عندما رد مولانا على تصريحات منسوبة إلى السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، عليه الرحمة، وكان عنوان عبد العليم (.. الميرغني للمهدي…واذا خاطبهم الجاهلون قالواسلاماٌ).
أذكر أنَّ الصديق ياسر عرمان، كتب تنويهاً وأرسل قصاصة الورق إلى المنصة التي كان يجلس فيها إلى جانب مولانا الراحلين دكتور منصور خالد، والفريق عبد الرحمن سعيد، عليهما الرحمة، وطلب عرمان، في الورقة من المنصة بعدم استعداء الصحفيين.
بعد انتهاء المؤتمر الصحفي، قال لي احد مسؤولي السفارة المصرية مازحا ،وكان من بين حضور المؤتمر الصحفي (( إيه يا فايز باشا، مولانا عايز يفصلك ولا إيه؟)).
قلتْ له بكل ثقة (( الأرزاق بيد الله، ثم إني ما شغال موظف مع التجمع ولا مولانا، أنا صحفي وأؤدي واجباتي، واتلقى مرتبي من الجريدة نظير خدماتي)).
وفي عام ٢٠٠٤، كتبتُ مقالاً انتقد فيه أداء التجمع الوطني الديموقراطي، فغضب مني مولانا كذلك، بل سارع بعض معاونيه بتقديم شكوى ضدي لمكتب الرئيس الاريتري اسياس افورقي، ولمكتب الأمين العام للجبهة الشعبية الحاكمة، الامين محمد سعيد، عليه الرحمة، وأذكر أن الأمين قابلني مصادفة في فندق امباسويرا، وقال لي (( مولانا غاضب منك جداً انت عملت شنو؟) . قلت له (( كتبت وجهة نظري حول ضعف التجمع ومشاكله)). ثم قابلني مسؤول آخر وقال لي (( هم بتساؤلوا لمصلحة منو فايز بكتب الكلام دا)) . قلتْ للرجل، وتربطني به علاقة صداقة إلى اليوم (( كلامهم فيه تشكيك، لكن انت تعرف إن كانت لي علاقة بنظام الخرطوم ام لا؟. ثم أني لا عندي اموال ولا بيوت عايز يرجعوها لي، والسؤال الصحيح من وجهة نظري هو لمصلحة من يضعفون المعارضة؟.)) .
هم يغضبون من الانتقاد، لكنهم لا يركزون على سبب الانتقاد، تغضبهم الدعوات للاصلاح، لكنهم لا يهتمون بتغييب المؤسسات ، واضعافها. يعتبرون اي وجهة نظر هي في مصلحة (( العدو)، هم ينطلقون من شعار (( دا ما وقته))..
اتذكر كل ذلك كلما كتبتْ رأياً يغضب بعض رفاق اليوم، ويعتبرونه تحليقاً خارج السرب، بل يستغرب من يقفون في ضفة العسكر عندما اكتب رأياً لا يعجب القوى المدنية التي احترمها، وارفض تخوينها، أو اي محاولة لهزيمة مجهوداتها الرامية لاعادة المسار الانتقالي؛ بل قرأتْ كلاماً مضحكاً مثل ( عايز يلحق فلان، او ان الكفيل وقف الدراهم )) ، وذلك تعليقاً على وجهة نظري في طريقة اعلان عودة لجنة تفكيك نظام الانقاذ.
هؤلاء واولئك، أنا لا اسبح مع التيار إن كنتْ غير مقتنع، فالأسماك الميتة وحدها هي التي تسبح مع التيار، أنا حرٌ في مواقفي وفي التعبير عن آرائي، ولااؤمن بمقولة ( دا ما وقته)، وأؤمن أن النقد الصحيح هو خير وسيلة للبناء والتصحيح..

زر الذهاب إلى الأعلى