الأعمدة

“العدالة الضريبية كشرط وجود: لماذا لا تموّل التنمية بدون طبيب لفساد التعاقد الاجتماعي”

بقلم د/ حسام راضي أحمد عبد الباقي
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن خطط التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، وتستهدف زيادة الإيرادات الضريبية من 12.3% إلى 15.2% من الناتج المحلي الإجمالي ، يغيب عن بال الكثيرين أن جذور الأزمة ليست في “نقص المال”، بل في “فساد العقد الاجتماعي”
نحن لا نعالج هنا أزمة أرقام، بل نعالج إشكالية قانونية وفلسفية: كيف يمكن لدولة أن تمول تنميتها إذا كان الجميع يتعامل مع الضريبة كما لو كانت “شرطاً جزائياً في عقد باطل” يسعى كل طرف للتهرب منه؟ وكيف ننتقل من علاقة “الدولة والممول المراوغ” إلى “شريكين في مشروع وطني”؟
1. الضريبة ليست عقوبة.. هي ثمن العقد الاجتماعي
في القانون المدني، كل التزام يقابله حق. المواطن يلتزم بدفع الضريبة مقابل التزام الدولة بتوفير الأمن والصحة والتعليم والبنية التحتية. هذه هي المعادلة. لكن ماذا يحدث عندما يختل أحد طرفي المعادلة؟ لو طبّقنا نظرية “الفسخ” أو “الدفع بعدم التنفيذ” على العلاقة بين الدولة والمواطن، لوجدنا أن تهرب الممول في كثير من الأحيان ليس لؤماً متأصلاً، بل هو رد فعل على إخلال الدولة بالتزامها في جودة الخدمات أو عدالة التوزيع.
هنا يتحول التهرب من جريمة يعاقب عليها القانون إلى عرض لمرض أعمق: انعدام الثقة.
التنمية الحقيقية لا يموّلها من يرى أن أمواله تذهب إلى فراغ، بل من يلمس أثرها في شارعه ومستشفاه.
2. بطلان عقد “الاقتصاد غير الرسمي” أمام القانون والتنمية
كما أن عقد الشركة الذي يخالف النظام العام يقع باطلاً بطلاناً مطلقاً، فإن الاقتصاد غير الرسمي هو العقد الباطل الأكبر في وجه التنمية المستدامة. الأموال التي تدور في الظل هي أموال خارجة عن “شخصية الدولة الاعتبارية”، لا تُحصى ولا تُضبط.
وعند الحديث عن حوكمة الإيرادات، يجب أن نكون حاسمين: لا تنمية بدون مشروعية المصدر. أي تمويل للتنمية قادم من خارج المنظومة الرسمية هو “تمويل صوري” كالشركة الصورية التي تستهدف الالتفاف على القانون.
دمج الاقتصاد غير الرسمي ليس رفاهية، بل هو “تطهير” للذمة المالية للدولة، يسبق بالضرورة أي حديث عن التنمية .
3. الحوافز الضريبية.. عندما تصبح الإعفاءات استثماراً وليس هدراً
المُشرع المصري تنبه لهذه المعضلة. عندما تسمح المادة 15 من قانون الاستثمار بخصم ما يخصصه المستثمر لمشروعات التنمية المجتمعية من أرباحه، بنسبة تصل إلى 10%، فهذا ليس “منحة” أو “تسامحاً”، بل هو اعتراف بأن للمستثمر دوراً في التنمية يتجاوز مجرد دفع الضريبة . بل أكثر من ذلك، يمكن للمستثمر هنا أن يكون أداة التنمية الحقيقية. مقابل تخليه عن جزء من ربحيته لمشروع تنموي (صحة، تعليم، بيئة)، ترد له الدولة هذا المبلغ من وعائه الضريبي. إنها مقايضة قانونية ذكية: أنت تموّل التنمية مباشرة، ونحن نعترف لك بهذا التمويل وكأنه التزام ضريبي تم أداؤه. هذا يخلق نوعاً من “التصفية” المالية المتبادلة، حيث يتحول المستثمر من مجرد ممول سلبي إلى شريك فاعل.
4. لا تنمية بلا قانون: كيف تصنع السياسة الضريبية “شخصية الدولة”؟
لا يمكن لسياسة ضريبية أن تكون “مستدامة” إذا لم تكن منضبطة بقانون واضح ومستقر.
تماماً كما أن الشركة تحتاج إلى عقد تأسيس سليم، فإن التنمية تحتاج إلى “عقد اجتماعي” سليم عنوانه السياسة الضريبية. التعديلات المتلاحقة، وعدم وضوح الرؤية، وتضارب أحكام القضاء الضريبي، كلها عوامل تخلق ما يسمى في قانون الشركات “سبباً للأجنبي” أو النزاع المستحكم.
ولا يمكن للمستثمر، أجنبياً كان أم محلياً، أن يخطط لمستقبله في دولة تتغير فيها قواعد اللعبة الضريبية سنوياً. استقرار التشريع الضريبي هو حجر الزاوية، وبدونه ينهار صرح الثقة، ويفضل المستثمر إما الهروب للاقتصاد غير الرسمي أو الخروج من السوق نهائياً.
في النهاية الطريق إلى تمويل التنمية المستدامة لا يمر عبر “مطاردة” الممولين وحدها، بل عبر صياغة عقد اجتماعي جديد، يكون فيه المواطن والمستثمر “طرفاً” في العملية التنموية وليس “مكلفاً” بها.

زر الذهاب إلى الأعلى