الأعمدة

أبحث عن ذاتي ..

محمد عبد الله برقاوي ..
صورة المدينة التي لم اراها حقيقة ..كانت تشغل خيال الصبا الغض ..فأرسم لها مشهداً بريشة الحلم..وأنا أصعد فوق ظهر الترعة القريبة من قريتنا ..وأطلق للشغف عناناً يسبق النظر الى تلك الأضواء ..فتسري رعشة الوله دافقة في حنايا الوجدان .. وتثير شيئاً من الحزن على فراق مكان لم التقيه ..ولكنني أحن اليه
وحينما ابتلعتني المدينة الكبيرة في بواكير الشباب رغم ما فيها من أضواء لطالما سبحت فيها بأذرع الإفتتان ..ولكن سرعان ما اصابني منها الملل فأنتابني شعور الطفل الذي حاز على مراده من أصناف اللعب والدمى .. فدفعها بعيداً عنه دون سبب واضح !
وكان إنطلاق أجنحة السفر الى عالم أرحب في حداثته و معارفه وسحنات أهله ..ثم انطوت فيه سحابات ندى العمر خلف رياح الزمن ..فحملت حقائب الذكريات على الظهر التي أنهكته المسيرة الطويلة ..وعدت أبحث عن ذاتي تلك القديمة ..علني أجد لها أثراً في عصر لم يعدهو الذي تركتها فيه ..وغدوت أركض في شوارع المدينة التي نسيت ملامحي ..ولم أكن قدنسيت اماكنها وقد شاخت في غيابي وسكنها أناس غير الذين كنت أعرفهم..وها أنا أخرج الى أطرف البنادر في تصرف عكسي وأصعد الى قمة ما تبقى من تلالها الطرفية التي دكت معالم أكثرها أقدام التغول الحضري وقد قضمت ما طاب لها من ترابها ..فأجدنفسي أنظرالى مكاني القديم في قريتي الوادعة ..وأهفو اليها ولو شابها شيء من ضياء المدينة ونمط الحياة . الفاتر الأشواق والبارد الأحضان … حيث باتت تشتري الحليب ..وهي التي كانت توزعه بدون مقابل على الجيران .. فأين أجد ذاتي !

زر الذهاب إلى الأعلى