في حلقةٍ متجددة من «أمواج ناعمة»، نرصد موجتين هادئتين في ظاهرهما، عميقتين في أثرهما، تنبعان من معينٍ واحد: قدسية المهنة، سمو الأخلاق، والانتماء الوطني الصادق.
هنا يلتقي صلاح حبيب؛ نسمة الصباح التي اختارت الصمود في “أم درمان” وسط الزوبعة، صاحب القلم العفيف والقلب الطيب، والبراعة المشهودة في إدارة الحوار بصمتٍ بليغ وصمودٍ لا صخب فيه. يلتقي مع مجدي عبد العزيز؛ العقل التحليلي الثاقب الذي يستقرئ الغيوم قبل المطر، ويجمع ببراعة نادرة بين خبرة الكواليس الرسمية وعمق القراءة السياسية الميدانية.
رجلان يختلفان في الأسلوب؛ فأحدهما ينحاز للغة النسيم والحوار الرقيق، والآخر يمتلك حدّة المشارط في التحليل الاستراتيجي. لكنهما يتحدان في الموقف والرسالة: أن تظل الصحافة صوتاً وطنياً مسؤولاً، وأن يبقى القلم أميناً حتى في أشد الظروف قسوة واغتراباً.
في «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، نقدّم صلاح حبيب ومجدي عبد العزيز كنموذجين حيّين يثبتان أن ال«أمواج الناعمة» هي الأكثر قدرة على تشكيل الشواطئ، وأن القوة الحقيقية للكلمة لا تحتاج دائماً إلى ضجيج العواصف لتترك أثرها الخالد.
صلاح حبيب
لا يمكن وصف صلاح بأقل من كونه نسمةٌ هادئة في عاصفة الزمن. هو رجلٌ طيب القلب، عفيف القلم، ينأى بنفسه عن المعارك ولا تجده في مظان الجدال أو ساحات الخصام؛ إذ يفضل لغة الحوار الهادئ على ضجيج الصراع، ومع ذلك يمتلك قلمه حضوراً مؤثراً ووقاراً لا يُخطئه قارئ.
شغل حبيب منصب رئيس تحرير صحيفة «المجهر السياسي»، في مسيرة مهنية بدأت مبكراً عام 1984 كصحفي متعاون في صحيفة «الأيام». واليوم، يتولى مسؤولية الإعلام في مركز الفضاء العالمي، مواصلاً دوره بمهنية عالية وثبات معهود.
وفي ظل حرب الكرامة) في مواجهة مليشيا الدعم السريع الإرهابية، اختار صلاح حبيب البقاء في قلب مدينة أم درمان، موثقاً الأوضاع الإنسانية وقصص الصمود اليومي لأهلها بقلمٍ صادق ومسؤول. وتقديراً لهذا الصمود الميداني، كرّمه اتحاد الصحفيين السودانيين مؤخراً ضمن جولة لتفقد رموز الصحافة الصامدين في منازلهم بأم درمان، اعترافاً باستمراريته في أداء رسالته رغم التحديات.
يُجيد صلاح فن الحوار الصحفي ببراعة خاصة؛ فقدرته على كسب ثقة المصادر واحترامها مكنته من بناء أرشيف ضخم ومتنوع من الحوارات القيمة التي تندرج تحت وصف “السهل الممتنع”: حوارات سلسة في أسلوبها، عميقة في مضمونها، وفريدة في قيمتها التوثيقية.
يدعو حبيب دائماً إلى تعزيز حرية الصحافة مع الالتزام الصارم بمواثيق الشرف المهني، وتتميز كتاباته بدعم المؤسسات الوطنية وتناول الشأن العام برؤية متوازنة، وهو ما يطالعه القراء بانتظام عبر منصات مثل موقع «النيلين».
صلاح حبيب هو نموذج للصحفي الرصين الذي لا يحتاج إلى جلبة ليُسمع، ولا إلى حدة ليؤثر. هو نسمة تُلطف حرارة المعارك، وقلم عفيف يُسجل التاريخ بصدق وأناة، وصوت وطني يبقى ثابتاً في موقعه حين تضطرب الخطى.
يأتي صلاح دائما ليذكرنا أن القوة ليست دائماً في صخب العاصفة، بل في النسيم الذي يصرّ على الهبوب بهدوء، حتى في قلب الزوبعة.
مجدي عبد العزيز
مجدي هو العقل الذي يقرأ الغيوم قبل المطر. هو الكاتب الصحفي والباحث السياسي الذي يُعد واحداً من ألمع الأصوات التحليلية في الفضاء الإعلامي السوداني والإقليمي. حالياً رئيس تحرير ومؤسس موقع «الرواية الأولى»، وينثر رؤاه عبر عمود راتب في صحيفة «السوداني»، حيث يقدم قراءات مكثفة تتجاوز السطح لتغوص في أعماق الشأن السوداني بأسلوب تحليلي رصين.
يُعرف مجدي بدقة استشرافه السياسي القائم على معرفة واسعة بالدهاليز، وهو ما جعله وجهاً مألوفاً ومعلقاً سياسياً مميزاً على شاشات القنوات الإخبارية الكبرى، وفي مقدمتها «القاهرة الإخبارية»، حيث يبرع في تفكيك التعقيدات وكشف ما وراء الكواليس بثبات وموضوعية لافتة.
مسيرته المهنية غنية بالمحطات النوعية؛ فقد شغل سابقاً منصب نائب مدير عام مراسم الدولة برئاسة الجمهورية السودانية، ورئيس تحرير «مجلة القصر الجمهوري»، كما تولى مسؤولية معتمد محلية أم درمان في عام 2015. هذا المزج النادر بين العمل الصحفي والممارسة الإدارية في مراكز صناعة القرار، منحه خبرة ميدانية استثنائية، جعلته قادراً على ربط خيوط السياسة بالإعلام برؤية شاملة ومحيطة.
وفي ظل الظروف الراهنة، ينصبُّ تركيزه على رصد تطورات الأزمة السودانية بأبعادها كافة؛ بدءاً من الأوضاع العسكرية، وصولاً إلى المسارات الإنسانية والطبية، مقدماً نموذجاً للتحليل المتوازن الذي يجمع بين الواقعية الصارمة والعمق الاستراتيجي.
يعتبر مجدي تجسيدا للصحفي الباحث الذي يمتلك عقلاً حاداً وقلماً مسؤولاً؛ يقرأ الخريطة قبل أن تُرسم، ويفهم حركة الرياح قبل أن تهب. وفي زمن الضباب السياسي، يبقى صوته مرجعاً يُستضاء به للفهم والاستنارة.
في «أمواج ناعمة».. يأتي مجدي ليذكرنا أن بعض الأمواج لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تحمل في طياتها سرَّ العمق وقوة التيار.



