الأعمدة

السودان: كيف أفسد تحالف العسكر والإسلاميين الدولة والمجتمع؟

محمد الفاتح حضرة

#image_title

#image_title
منذ استقلال السودان، ظل العسكر يحكمون البلاد، باستثناء فترات حكم مدنية قصيرة. لكن تحالفهم مع الحركة الإسلامية في انقلاب عام 1989 كان نقطة تحول كارثية. فخلال ثلاثة عقود، سيطر نظام المؤتمر الوطني على الدولة، مقدماً نفسه كحكم إسلامي، لكنه في الواقع كان نظامًا أفسد الأخلاق، وقوّض النسيج الاجتماعي، وقاد البلاد إلى حافة الهاوية.
1. تآكل الأخلاق وتشويه الدين
تحت شعار “التمكين”، استبدل النظام مبدأ الكفاءة بالولاء الحزبي، مما أدى إلى انتشار فساد ممنهج ومحسوبية واسعة النطاق. أصبحت الأمانة تُقاس بالانتماء، والكذب أصبح مبررًا سياسيًا. هذه الممارسات، التي كانت تتعارض تمامًا مع قيم الإسلام، أدت إلى تنفير أجيال من الشباب، الذين رأوا تناقضًا صارخًا بين الشعارات البراقة والأفعال على أرض الواقع.
2. الانقسام والتفكك
روج النظام لخطاب إقصائي جعل من غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية. هذا التهميش، المصحوب بالحروب الأهلية في دارفور وجنوب السودان، زرع بذور الانقسام، وكان السبب الرئيسي في انفصال الجنوب. كما أن سياسات التهميش في مناطق أخرى، مثل الشرق والنيل الأزرق، خلقت حالة من الاحتقان لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. لقد شوه النظام صورة الإسلام كدين للرحمة والتعايش، وسبب انقسامًا في جسد الوطن.
3. جيش الدولة أم دولة الجيش؟
لم يكن الجيش السوداني مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان إمبراطورية اقتصادية ضخمة. ظل يأخذ حوالي 80% من ميزانية الدولة، ويمتلك شركات ومؤسسات تجارية تابعة له، لا تخضع للرقابة المالية أو لوزارة المالية. لقد كانت هذه الإمبراطورية الاقتصادية مصدرًا للفساد وإثراء القادة العسكريين، ووقودًا لتمويل الصراعات الداخلية. لقد كان تحالف الحركة الإسلامية مع الجيش تكافليًا، حيث قدمت الحركة الأيديولوجية والغطاء الديني للحكم، فيما قدم الجيش القوة العسكرية والغطاء الاقتصادي.
4. صناعة الوحوش والكارثة الحالية
من أبرز جرائم نظام الإنقاذ هي صناعة أدوات القمع الخاصة به، وأبرزها قوات الدعم السريع التي خرجت من رحم مليشيات “الجنجويد”. كانت هذه القوات أداة قوية للنظام، استخدمت لارتكاب جرائم في دارفور وفض الاعتصام الثوري في الخرطوم عام 2019.
وعندما قامت ثورة ديسمبر، لم تسقط بقايا النظام بالكامل. فقد قامت قيادات عسكرية موالية للنظام السابق بامتصاص الزخم الثوري، واحتالوا على القوى المدنية، ثم انقلبوا على الانتقال الديمقراطي في 25 أكتوبر 2021. هذه المؤامرة أدت في النهاية إلى الحرب الحالية، وهي محاولة أخيرة من بقايا النظام القديم للعودة إلى السلطة عبر صراع مع صنيعتهم التي خرجت عن السيطرة.
طريق الشعب السوداني نحو الاستقرار
لا يمكن تحقيق الاستقرار إلا بقطع الطريق أمام عودة العسكر والإسلاميين إلى الحكم، واستعادة مسار التحول المدني.
* توحيد القوى المدنية: يجب على القوى المدنية والثورية توحيد صفوفها ورؤيتها حول مشروع وطني جامع، يتجاوز الخلافات الضيقة، ويتعامل مع الجيش كأداة للدفاع عن الوطن، وليس كشريك في الحكم.
* إبعاد العسكر عن السياسة والاقتصاد: لا يمكن تحقيق التحول الديمقراطي ما لم يتم فصل الجيش عن السياسة والاقتصاد بشكل كامل. يجب أن تتم محاسبة الفاسدين، وأن تذهب عائدات شركات الجيش إلى وزارة المالية.
* بناء دولة المواطنة: الحل الوحيد لإنهاء الحروب هو بناء دولة علمانية تقوم على أساس المواطنة المتساوية، تضمن حقوق الجميع بغض النظر عن عرقهم أو دينهم.
إن تجربة حكم الحركة الإسلامية في السودان أثبتت أن الشعارات الدينية لا تصنع دولة، وأن الحكم ينهار عندما يتخلى عن العدالة والأخلاق. لقد كانت هذه التجربة وبالًا على السودان والإسلام معًا، حيث شوهت صورة الدين في أذهان الكثيرين، ودفعت بالوطن نحو الهاوية..

زر الذهاب إلى الأعلى