
نزار عثمان السمندل
«ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بدّ»..
هكذا فتح المتنبي الباب، قبل قرون، على ذلك النوع من العلاقات التي تُدار فوق حافة الاشتباه، حيث يضطر الخصمان إلى تبادل الابتسامات فيما تتبادل الدول حسابات القوة والقلق. قاعة الشعب الكبرى في بكين، خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، بدت كأنها تستعير بيت المتنبي لتكتبه بلغة الأصابع والوجوه والعيون المشدودة إلى ما وراء الكلمات.
المصافحة لم تتجاوز عشر ثوان. عشر ثوانٍ من البرودة الثقيلة. يد أميركية تتحرك بإفراط محسوب، وخمس تربيتات متتالية حاول ترامب عبرها أن يزرع إيقاعه الخاص فوق كتف الرجل القادم من عمق الصبر الإمبراطوري الصيني.
ابتسامة متوترة ارتسمت على وجه الرئيس الأميركي، فيما بقي وجه شي جين بينغ محكوماً بذلك الجمود الآسيوي الذي يُخفي أكثر مما يعلن.
مشهد قصير، لكنه حمل من المعاني ما تعجز عنه بيانات وزارتي خارجية البلدين.
الرجلان يعرفان جيداً أن العالم صار أضيق من أن يحتمل قطيعة كاملة بين واشنطن وبكين، وأوسع من أن يسمح بولادة ثقة حقيقية بينهما. الاقتصاد يربطهما بسلاسل معقدة، بينما تدفع الجغرافيا السياسية كلاً منهما إلى اختبار حدود الآخر يومياً. لذلك جاءت القمة أقرب إلى هدنة ثقيلة بين عملاقين يتبادلان الحذر تحت سقف واحد.
خلف الأبواب المغلقة، جرى التفاهم على عنوان جديد للعلاقة: «الاستقرار الإستراتيجي البنّاء». عبارة تبدو ناعمة في ظاهرها، لكنها تُخفي اعترافاً متبادلاً بأن العالم يقف أمام أخطر سباق نفوذ منذ نهاية الحرب الباردة.
واشنطن تريد إدارة الصعود الصيني، وبكين تريد منع الولايات المتحدة من تحويل ذلك الصعود إلى حصار طويل الأمد. هنا تحديداً، تصبح التكنولوجيا ساحة المعركة الأكثر حساسية. الشرائح الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، شبكات التوريد، والموانئ الرقمية؛ كلها تتحول إلى أدوات سيادة تعادل حاملات الطائرات في زمن آخر.
السماح لشركات صينية بشراء شرائح «إنفيديا» حمل دلالة تتجاوز التجارة. واشنطن تفتح نافذة صغيرة داخل جدار العقوبات التقنية، وبكين تقرأ الإشارة باعتبارها اعترافاً أميركياً بأن الفصل الكامل بين الاقتصادين صار أقرب إلى الانتحار المتبادل.
في المقابل، منح الصينيون ترامب ما يحتاجه داخلياً: وعود بزيادة واردات الصويا والطائرات واللحوم الأميركية، كي يعود إلى ناخبيه محملاً بصورة المنتصر الذي انتزع تنازلات من التنين.
تايوان حضرت داخل القاعة كأنها شبح يجلس بين الرجلين. العيون كانت أكثر صراحة من الكلمات. شي جين بينغ تحدث بعينين ثابتتين لرجل يعرف أن الجزيرة تمثل العقدة الأكثر حساسية في مشروعه القومي. ترامب، من جهته، حاول إبقاء التوازن قائماً بين استعراض القوة وترك باب المساومة مفتوحاً. كل طرف يدرك أن شرارة واحدة في مضيق تايوان قادرة على تحويل الاقتصاد العالمي إلى حطام عائم فوق البحار.
ثم جاء الشرق الأوسط إلى بكين محمولاً على دخان الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران. الملف الإيراني منح القمة بعداً إضافياً. ترامب أراد القول إن واشنطن ما زالت قادرة على إدارة أكثر من جبهة في آن واحد، بينما تعاملت بكين مع الأزمة بكثير من الحذر؛ دولة بنت صعودها على الاستقرار التجاري تعرف أن التورط المباشر في حرائق المنطقة قد يهدد عقوداً من التمدد الهادئ.
مصافحة ترامب وشي بدت، مقارنة بلقاءات الرئيس الأميركي السابقة مع إيمانويل ماكرون أو فلاديمير بوتين أو شينزو آبي، أقرب إلى مبارزة صامتة بين رجلين يحاول كل منهما انتزاع المعنى من يد الآخر.
ترامب يضغط بإيقاعه المسرحي المعروف، وشي يردّ بالصمت الموزون الذي يُتقنه قادة الصين منذ زمن السلالات القديمة.
العالم الذي خرج من قمة بكين ليس أكثر اطمئناناً. التوتر ما زال قائماً تحت الجلد، والتنافس يزداد خشونة كلما اقترب من التكنولوجيا والأمن والطاقة.
غير أن الطرفين يبدوان مدركين لحقيقة واحدة، مفادها أن الانفجار الكبير قد يطيح بالجميع دفعة واحدة. لذلك تتقدم العلاقة بينهما فوق خيط رفيع؛ تعاون تفرضه الضرورة، وخصومة يفرضها الطموح الإمبراطوري.
المتنبي، لو جلس في تلك القاعة، لربما اكتفى بمراقبة المصافحة. في تلك الثواني الباردة، كان يمكن رؤية العالم وهو يحاول تأجيل صدامه الكبير… بيدين متصافحتين وقلبين متحفزين.



