الأعمدة
أخر الأخبار

اتركوا أسماء القبائل في الخارج… ولنتحدث باسم السودان هل يتوحد السودانيون يومًا؟

اتركوا أسماء القبائل في الخارج… ولنتحدث باسم السودان
هل يتوحّد السودانيون يومًا؟

كتب: عباس العشاري

مقال يدعو السودانيين في الخارج إلى تقديم الهوية الوطنية على الانتماء القبلي، وتعزيز الوحدة والتكافل وترميم النسيج الاجتماعي، لتكون الروابط السودانية جسوراً تجمع أبناء الوطن.
بعد كل ما مرّ به السودان من حروب ومآسٍ ونزوح وتشرد، كان من المفترض أن نراجع كثيرًا من المفاهيم التي فرّقت بين أبناء الوطن، وأن نسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من هذه الحرب؟ وهل ما زلنا نصرّ على تقديم القبيلة والجهة على السودان؟
في مدينة جدة، وفي المنطقة الغربية بالمملكة العربية السعودية، توجد نخبة كبيرة من السودانيين المغتربين، وهذه الروابط الاجتماعية ليست ظاهرة جديدة، وهي في الأصل يمكن أن تكون وسيلة جميلة للتواصل والتكافل وخدمة أبناء الوطن. لكن اللافت في الآونة الأخيرة هو الانتشار المتزايد لما يسمى روابط القبائل: اجتماع رابطة قبيلة كذا، واحتفال أبناء قبيلة كذا، ولقاء أبناء المنطقة الفلانية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل
لماذا لا نتحدث عن نحن السودانيين؟
لي ما نقول أنا من الشرق، وآخر: أنا من الغرب، وثالث: أنا من الشمال، ورابع: أنا من الجنوب؟ ولماذا لا تكون هذه الروابط، طالما أن هدفها اجتماعي وخدمي وتعكس وجود السودان في الخارج، تحت مسميات أكثر شمولًا مثل: رابطة شرق السودان، رابطة غرب السودان، رابطة شمال السودان، رابطةجنوب السودان؟
لماذا نصرّ على اسم القبيلة؟
الأمر الأكثر إثارة للتساؤل أن كثيرًا من الذين يتحدثون باسم هذه الروابط هم من المتعلمين والمثقفين وأصحاب الخبرات، وبعضهم يعيش في بيئة خارج السودان يفترض أنها تساعد على تجاوز العصبيات الضيقة. بل إنك قد تجد الشخص نفسه متزوجًا من شخصية تنتمي إلى قبيلة أخرى، ويعيش بين أبناء قبائل وجهات مختلفة، ومع ذلك يصرّ في المجال العام على تقديم نفسه من خلال اسم القبيلة.فما الذي نريد أن نرسخه للأجيال القادمة؟
لقد أعجبني حديث القنصل العام بجدة، الأستاذ كمال علي عثمان، عندما خاطب احتفال قبيلة الكواهلة. وقد فهمت من حديثه رسالة مهمة، وهي أننا لا ينبغي أن نكرّم القبيلة بوصفها قبيلة، وإنما نكرّم الرموز الوطنية، ونحتفي بتاريخ السودان القديم والحديث وحاضره، ونستحضر قيم الوطن وتضحيات أبنائه.وهذه رسالة تستحق أن نتوقف عندها.
إذا كانت هذه الروابط تريد بالفعل جمع الشمل، والتكافل، وخدمة السودانيين، والمحافظة على النسيج الاجتماعي، وإظهار صورة السودان في الخارج، فلماذا لا تبدأ بنفسها بالتخلي عن الأسماء القبلية؟
ليس المطلوب أن ننكر قبائلنا أو نمحو تاريخها. فالقبيلة جزء من التاريخ الاجتماعي للسودان، ولها رموزها وموروثها وإسهاماتها. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين معرفة جذورنا وبين جعل القبيلة عنوانًا لهويتنا العامة.
نحن في الخارج نمثل السودان قبل أن نمثل القبيلة.والسوداني الذي يعيش في جدة أو الرياض أو مكة أو أي مدينة خارج الوطن، ينبغي أن يكون حضوره امتدادًا للسودان كله: بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، بكل قبائل ومكوناته وثقافاته.لقد كشفت الحرب السودانية كم نحن في حاجة إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن، وإلى ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزقته السياسة والجهوية والعصبية. ولا يمكن أن نطالب بتوحيد السودان بينما نعيد إنتاج الانقسامات نفسها في الخارج.فلنجعل روابطنا جسورًا لا جدرانًا.ولنجعل اجتماعاتنا مناسبة للحديث عن السودان، وعن خدمة السودانيين، وعن التعليم والصحة والتكافل ودعم الأسر المتضررة، وعن الثقافة والفن والتراث، وعن كيفية تقريب المسافات بين أبناء الوطن.
أما أسماء القبائل، فلتبقَ جزءًا من تاريخنا وذاكرتنا الاجتماعية، لا عنوانا لانقسامنا.
لقد آن الأوان أن يقول المثقف السوداني في الخارج، قبل غيره:
أنا سوداني أولًا.
وأن من أبناء الشرق والغرب والشمال والجنوب:نحن أبناء وطن واحد.وأن تكون الروابط السودانية في الخارج نموذجًا لما نريده للسودان في الداخل:وطن يتسع للجميع، لا قبائل تتسع لأبنائها فقط.اتركوا أسماء القبائل في الخارج… ولنتحدث باسم السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى