الأعمدة

الاستاذ عثمان ميرغني ومحاولة انصاف العسكر بمنطق التزلف المكشوف !

الزميلة الاستاذة رشا عوض بغض النظر عن الاتفاق في كل ما تكتب كصاحبة راي حر أو الاختلاف معها الذي لا يفسد للود قضية بالطبع ..كتبت تقول ما معناه مضمونا ولست اذكر تحديد ما قالته نصا ..أن الجيش هو مؤسسة ينبغي أن لا تعطى قداسة تميزه عن سائر مؤسسات الدولة الأخرى باعتبارها كلها مدنية وعسكرية يجب أن تصبح تروسا متساوية الاكتاف ضمن دوران آلية خدمة الدولة والمجتمع .. ويكون لكل منها دوره المنوط به في نطاق اختصاصه .
وان الإفراط في ذلك التقديس حيال الجيش هو ما أعطاه الشعور بأحقية أن يكون له الكعب الاعلى في السيادة و تولي الحكم بافضلية تملكه لادوات القوة التي تتوفر له من حر مال الشعب لحماية حدود البلاد ودستور الحكم ليس إلا .
وان الجيش ليس ركنا من أركان الدولة بمفهومها الاعتباري ..الذي يقوم على السلطات الدستورية والتشريعية والتنفيذية وفقا لتوصيف الدول الديمقراطية التي يقوم حكمها على قاعدة تفويض الشعب لا تسلط العسكر بالقفز ليلا إلى سدة الحكم بدعوى اخفاق المدنيين في مهام الحكم ولو طلب منهم اولئك المدنيون استلام الحكم كما ذكر الاخ عثمان فهنا يصبح من حق أية فئة أو شريحة مسيسة من داخل القوات المسلحة أن تستجيب.
وهو منطق غريب فكيف لتلك الفئة أن تستجيب دون تفكير في عاقبة الأمور مالم تكن هي نفسها طامعة في ذلك الهدف وسعت اليه بالتفكير والتدبير والتنفيذ والدليل أن العسكر ما أن يتمكنوا في الكراسي إلا ويكون اول ضحاياهم من كانوا سببا في تحريضهم على فعل الانقلاب والتاريخ يشهد على كثير من هذه الظواهر لاسيما في دول العالم الثالث بدءا من أفريقيا وآسيا وليس انتهاء بدول الموز البعيدة .
بيد أن الاخ الاستاذ عثمان ميرغني جاء بحكم إجادته للحبكات الجاذبة البريق مع كامل تقديرنا له ..وطفق معلقا على كلام السيدة رشا بأن الجيش هو ركن أساسي من أركان الدولة وليس جهة عادية يمكن وضعها كما فهم من كلامه في مصاف المؤسسات الأخرى وهو ليس مسئؤل بكلياته كمؤسسة عن الانقلابات التي ظل يقوم بها نفر مسيس من الضباط مدفوعا بسواعد سياسية مدنية وليس بمقدور بقية أفراد المؤسسة غير الاذعان .. وإن هم اعترضوا والا اعتبروا متمردين على سلطة الانقلاب و سيطالهم سيف قانون القوات المسلحة وهو كلام متناقض مع حقيقة ذلك القانون الذي يجب أن يعاقب من يقوم بالانقلاب وليس من يستنكر قيامه!
ثم إن حديث الاخ عثمان بأن السلطة المدنية التي كانت تاتي محمولة على اكتاف الثورات أو الانتفاضات الشعبية لأكثر من مرتين هي التي تقوض مقومات السلامة المجتمعية لأنها تبدأ بحل الأجهزة الأمنية التي كانت تحمي النظم العسكرية بالقمع والتعذيب و التشريد والتقتيل و يعيب على تلك الأنظمة أنها اي سلطات الحكم المدني القصيرة الاجال التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال انها لا تلبث طويلا نتيجة ذلك التفكيك المتعحل لتلك الأجهزة !
وهو كلام بجانبه المنطق إذ غاب عنه أن الإصلاح الأمني في كل المؤسسات العسكرية كالجيش وجهاز المخابرات و تلك المدنية كالشرطة هو لحمة وسداة الحكم الرشيد متى ما وجد متسعا من الوقت و التخطيط لتثبيت ذاته بإرادة الشعب وهو ما لا تطيقه تلك المؤسسات التي تستقوي بالسلاح لقطع الطريق نحو ذلك الإصلاح .
ودونك ما يحدث الآن من نتائج الانقلاب الاخير من سوء الأحوال التي افلت زمامها من كل تلك المؤسسات العسكرية التي زادت كيل بغير تخبطا بتناسل العشرات من المليشيات و الفصائل التي تلعب بالسلاح بدون تفويض أو ضوابظ في ظل فوضى تضرب باطنابها في كل زوايا الوطن !
ولعل ما كانت ترفعه الثورة من شعارات العسكر للثكنات والجنجويد للحل ..لو أنها وجدت سعة الزمن والأفق السياسي المتعقل و صبر العسكر ومؤسساتهم على مضاضة علاج كي الخلاص من دائرة النار التي ظلت حولنا انقلابا لثورة وفشلا ثم انقلابا اخر لما أوصلنا ذلك الاستعجال العسكري بالانقضاض مع مطامع كف الحكم البائد ونكالبهما على خنق تلك الشعارات قبل نضوج ثمرتها مما اوصلنا إلى هذا الدرك السحيق من التردي الذي أصبح من تسببوا فيه يبحثون الان عن الأبواب الخلفية التي تخرجهم من ورطته وكل الشواهد المسربة تشيء بذلك ولكن في حياء وتخف يلفه خجل اعلان التراجع عنه الى تلك الشعارات إن لم يكن على صيغة العود إلى احمد الاتفاق الاطاري فإنه ذاته سلك الطريق المؤدي إلى مسمى حاج احمد في إطاري جديد وان اختلف في الشكل ولكنه سيقضي إلى ذات النتائح !
والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى