الأعمدة

درة قمبو… حين تُربك الإجراءات الرسمية وجدان شعبين

مهدي داود الخليفة
ظلت العلاقة السودانية المصرية، عبر التاريخ، أكبر من مجرد علاقة بين دولتين جارتين؛ فهي علاقة ممتدة في الوجدان والثقافة والجغرافيا والمصير المشترك. وما يجمع شعبي وادي النيل من روابط إنسانية وتاريخية ظل أقوى من كل الأزمات السياسية العابرة، ولذلك فإن الحفاظ على هذه العلاقة الاستراتيجية يظل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومات والنخب والمؤسسات الإعلامية والثقافية في البلدين.
غير أن الحرص الصادق على متانة هذه العلاقة لا يمنع من التعبير عن القلق تجاه بعض الممارسات والإجراءات التي قد تترك آثاراً سلبية عميقة في نفوس السودانيين، خاصة في هذا الظرف الإنساني القاسي الذي يعيشه الشعب السوداني بسبب الحرب والنزوح والتشريد.
وفي هذا السياق، جاءت واقعة إبعاد الصحفية السودانية الأستاذة درة قمبو من الأراضي المصرية لتثير كثيراً من التساؤلات المشروعة، ليس فقط وسط الجسم الصحفي السوداني، وإنما أيضاً وسط قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني الحريص على العلاقات الأخوية مع مصر.
فبحسب ما ورد في بيان نقابة الصحفيين السودانيين، فإن الأستاذة درة قمبو أكملت كافة الإجراءات المطلوبة، وتحصلت على الموافقة الأمنية الرسمية التي تُعد أساساً قانونياً يتيح لحاملها الدخول إلى الأراضي المصرية، كما قامت بسداد الرسوم المقررة والتي تبلغ أربعمائة دولار، وهو مبلغ ليس بالهيّن بالنسبة لمواطن سوداني يعيش ظروف الحرب واللجوء والانهيار الاقتصادي.
لكن المفاجأة التي تستحق التوضيح هي أن الصحفية السودانية مُنعت من الدخول بعد وصولها إلى مطار القاهرة، وتم ترحيلها لاحقاً، رغم استيفائها للإجراءات المطلوبة مسبقاً. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا مُنحت الموافقة الأمنية إذا كانت هناك موانع تحول دون دخولها؟ ولماذا تم اتخاذ قرار المنع بعد اكتمال الإجراءات الرسمية وتحملها للأعباء المالية والمعنوية المرتبطة بالسفر؟
إن المطالبة بتوضيح رسمي لا تأتي من باب التصعيد أو الإساءة إلى الدولة المصرية، وإنما من باب الحرص على إزالة أي لبس قد يُفسَّر بصورة سلبية ويؤدي إلى اتساع مشاعر الإحباط وسط السودانيين، خاصة في ظل تصاعد بعض خطابات الكراهية والتحريض ضد السودانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي خطابات ترفضها الأغلبية العاقلة في مصر والسودان على السواء.
والأمر الأكثر حساسية أن الأستاذة درة قمبو ليست شخصية مجهولة أو صاحبة خطاب عدائي؛ بل هي صحفية معروفة بمواقفها المهنية المتوازنة، وظلت بعيدة عن أي خطاب يسيء إلى الدول أو الشعوب، كما أنها حظيت باحترام واسع داخل الوسط الصحفي السوداني، ووصلت إلى مرحلة الترشيح لمنصب نقيب الصحفيين السودانيين بدعم معتبر من قطاعات الشباب والمرأة والمهنيين.
لذلك فإن التعامل مع قضيتها ينبغي أن يتم بقدر عالٍ من الحكمة والشفافية، لأن مثل هذه الوقائع، إذا لم يتم توضيحها بصورة مؤسسية، قد تتحول إلى مادة خصبة لتغذية الاحتقان وسوء الفهم بين الشعبين، وهو ما لا يخدم المصالح المشتركة ولا يتسق مع طبيعة العلاقة التاريخية بين الخرطوم والقاهرة.
إن مصر التي استقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين خلال محنة الحرب، وقدمت تسهيلات إنسانية مقدرة، تظل مطالبة كذلك بالحفاظ على الصورة الإيجابية لعلاقتها مع السودانيين، عبر الوضوح المؤسسي واحترام الكرامة الإنسانية، خصوصاً تجاه الصحفيين والإعلاميين الذين يُفترض أن يكونوا جسوراً للتقارب لا ضحايا للإجراءات المبهمة.
كما أن من حق الرأي العام السوداني أن يسمع توضيحاً رسمياً من الجهات التي أصدرت قرار المنع، ليس فقط احتراماً للأستاذة درة قمبو، وإنما أيضاً احتراماً لمبدأ الشفافية، وللعلاقات السودانية المصرية التي يجب أن تُدار بروح الأخوة والثقة المتبادلة، بعيداً عن أي إجراءات قد تُفسَّر باعتبارها رسائل سلبية في توقيت بالغ الحساسية.
فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس فقط بالاتفاقيات السياسية، وإنما أيضاً بطريقة التعامل مع الإنسان العادي، ومع الصحفي والمثقف واللاجئ، ومع كل من دفعتهم ظروف الحرب القاسية للبحث عن الأمان والكرامة.
ويبقى الأمل أن تتم معالجة هذه القضية بروح مسؤولة وحكيمة، تحفظ كرامة الجميع، وتُغلق الباب أمام أي محاولات لاستغلال الحادثة للإضرار بالعلاقات التاريخية بين شعبي وادي النيل.

زر الذهاب إلى الأعلى