الأعمدة

حينما تعتدل صور الحرب المقلوبة… هل تستقيم العقول المغبشة؟


الاصطفاف خلف أطراف الحروب لا تصنعه البصائر دائماً، بقدر ما تصنعه قدرة الآلة الإعلامية على تشكيل الإدراك الجمعي، حتى تصبح الأكاذيب حقائق راسخة، وتغدو الصور المقلوبة أكثر ثباتاً من الواقع نفسه.
فعامة الناس ــ في أزمنة الاحتراب ــ لا يملكون غالباً أدوات التحليل المعقد لمسارات الصراع وتقلباته، لذلك يكتفون بما تبثه السرديات المتصارعة من صور وشعارات وأحكام جاهزة، ثم لا تلبث تلك الصور أن تتحول إلى قناعات صلبة يستعصي اقتلاعها، حتى ولو نسفتها الوقائع لاحقاً.
ولعل حرب السودان الحالية قدمت نموذجاً صارخاً لهذه الحالة؛ إذ رسخت لدى قطاع واسع من المناصرين للجيش قناعة جازمة بمقتل قائد الدعم السريع حميدتي منذ الأيام الأولى للحرب، واستطاع الإعلام الموالي تثبيت تلك الرواية في الوعي العام بوصفها حقيقة نهائية. لكن المفارقة أن ظهور الرجل لاحقاً بالصوت والصورة لم يكن كافياً لدى البعض لهدم القناعة القديمة، فجرى اللجوء إلى تفسيرات أكثر غرابة، من قبيل الحديث عن “مجسمات” أو “ذكاء اصطناعي”، فقط لأن العقل المشحون دعائياً يرفض الاعتراف بانهيار يقينه السابق.
واليوم تتكرر المفارقة بصورة أكثر ارتباكاً.
فالجماهير التي جرى تعبئتها طويلاً بشعار “لا تفاوض ولا تصالح مع المليشيا” تجد نفسها أمام مشهد مختلف تماماً؛ قادة وعناصر من الدعم السريع يعودون إلى حضن المؤسسة التي أقسمت على اجتثاثهم، وبعضهم يُستقبل سياسياً وإعلامياً بما يشبه التكريم، لا باعتبارهم متهمين يفترض أن يخضعوا للمساءلة عن الدماء والانتهاكات.
وهنا تبدأ الأسئلة القاسية في التشكل داخل الوعي الشعبي: كيف يتحول من وُصفوا بالخونة والمجرمين إلى “تائبين” بلا محاكمات؟ وكيف يُطلب من جمهور الحرب أن يبتلع فجأة خطاب التسامح بعد أشهر طويلة من التحريض والتعبئة ورفع سقف الوعيد؟
إن أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل وحده، بل قدرتها على إنهاك المعايير الأخلاقية وتشويش البوصلة العامة، بحيث يصبح التناقض أمراً مألوفاً، ويتحول الضحايا أنفسهم إلى مجرد هامش داخل صفقات الضرورة السياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الآن ليس: هل تغيرت مواقف القيادات؟
بل: هل بدأت الجماهير نفسها تدرك أن كثيراً من صور الحرب التي استقرت في أذهانها لم تكن سوى صور مقلوبة جرى تثبيتها بكثافة الدعاية وضجيج التعبئة؟

زر الذهاب إلى الأعلى