الأعمدة

” وهم الحكومة المدنية في السودان: عندما تفضح الممارسة الادعاءات”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد سياسي يتكرر بانتظام في السودان، تعود المؤسسة العسكرية لتؤكد مرة أخرى أن وعودها بالانتقال الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين لا تتجاوز كونها مجرد شعارات براقة تهدف لتجميل الواقع أمام المجتمع الدولي. وقد جاء التدخل السريع للفريق أول عبد الفتاح البرهان في تشكيل حكومة الدكتور كامل إدريس، المسماة “حكومة الأمل”، ليكشف زيف الادعاءات السابقة حول منح رئيس الوزراء المعين الحرية الكاملة في اختيار وزرائه.
لقد ردد قادة المؤسسة العسكرية، وعلى رأسهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق ياسر العطا، أن المؤسسة العسكرية والمجلس السيادي لن يتدخلا مطلقاً في تشكيل الحكومة القادمة، وأكدوا أنهم سيتركون الحرية الكاملة لكامل إدريس في اختيار وزراء حكومته. هذه الوعود التي بدت وكأنها نقطة تحول في مسار الانتقال الديمقراطي السوداني سرعان ما تبددت أمام الممارسة الفعلية.
لم تمر سوى فترة قصيرة حتى تدخل البرهان مباشرة في اعتماد تعيين وزراء الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام، وذلك بعد نشوب خلاف بين قيادات تلك الحركات ورئيس الوزراء المعين حول رؤية إدريس لإحداث تغييرات جوهرية في تشكيلة حكومته. هذا التدخل السريع يكشف التناقض الفاضح بين المواقف المعلنة والقرارات الفعلية، مما يؤكد بطلان كل الادعاءات السابقة بأن رئيس الوزراء المعين قد أُعطي كامل الصلاحيات دون تدخل من صناع القرار الحقيقيين في البلاد.
إن هذا السلوك ليس مستغرباً في ضوء التاريخ السياسي السوداني المليء بالانقلابات العسكرية التي رفعت شعارات الإصلاح والانتقال الديمقراطي، لكنها في النهاية أدت إلى ترسيخ الحكم العسكري. من انقلاب 1958 إلى انقلاب 1969، ومن انقلاب 1989 الى انقلاب 2021 الذي أطاح بحكومة الثورة المدنية ، تتكرر نفس الأنماط والوعود. في كل مرة، يعد العسكريون بالانتقال السلمي للسلطة والعودة للثكنات، وفي كل مرة تثبت الممارسة عكس ذلك.
يكشف التدخل الأخير مدى السيطرة الفعلية للبرهان وقيادات المؤسسة العسكرية على مقاليد السلطة في البلاد، حيث أن أي حكومة مدنية قادمة لن يكون في مقدورها العمل واتخاذ قرارات مصيرية دون موافقة البرهان والمؤسسة العسكرية، مما يجعل من الحديث عن “حكومة مدنية” مجرد واجهة شكلية. هذا الأمر يؤكد أن الهدف الحقيقي من تشكيل الحكومة المدنية الجديدة هو محاولة إضفاء الشرعية على حكومة الأمر الواقع وإقناع المجتمع الدولي بأن السلطة في السودان بيد المدنيين.
تفتقر المؤسسة العسكرية السودانية لرؤية استراتيجية واضحة للانتقال الديمقراطي، وتركز بدلاً من ذلك على الحفاظ على سيطرتها على السلطة من خلال تكتيكات قصيرة المدى. كما أن الصراعات الداخلية بين مختلف أجنحة المؤسسة العسكرية تقوض أي محاولة جدية لتسليم السلطة للمدنيين، حيث يخشى كل طرف من أن يستغل الآخر فترة الانتقال لتصفية حساباته. هذا الوضع يتفاقم بسبب الصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث يستغل كل طرف الأوضاع لتبرير سيطرته على مقاليد الحكم.
لقد أدى غياب الثقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية إلى جعل تحقيق انتقال سلمي للسلطة أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في ظل التجارب السابقة المريرة. وتخلق الأزمة الاقتصادية الحادة والتحديات الاجتماعية المتفاقمة بيئة مناسبة للمؤسسة العسكرية لتبرير تدخلها في الشؤون السياسية تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار.
أما على المستوى الدولي، فرغم إدانة المجتمع الدولي للممارسات العسكرية في السودان، إلا أنه لم يتخذ خطوات حاسمة لإجبار المؤسسة العسكرية على الوفاء بالتزاماتها. هذا التردد الدولي يشجع العسكريين على المضي قدماً في سياساتهم. إن الجهود الدولية لتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان تحتاج إلى تنسيق أكبر وآليات ضغط أكثر فعالية، تشمل عقوبات اقتصادية محددة وإجراءات دبلوماسية حازمة.
إن استمرار الوضع الراهن يعني أن المؤسسة العسكرية ستواصل سيطرتها على السلطة من خلال واجهات مدنية شكلية، مع استمرار الأزمة الاقتصادية والسياسية. وقد يؤدي تصعيد الصراع بين مختلف أجنحة المؤسسة العسكرية إلى تدهور الأوضاع الأمنية وتفاقم الأزمة الإنسانية. من جهة أخرى، فإن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة قد تؤدي إلى انتفاضة شعبية جديدة تطالب بتغيير جذري في النظام السياسي.
يتطلب الوضع الراهن تعزيز الحوار بين القوى المدنية لتشكيل جبهة موحدة، وبناء مؤسسات مدنية قوية قادرة على مواجهة الهيمنة العسكرية، إضافة إلى تعزيز دور المجتمع المدني في الرقابة على الأداء الحكومي. كما يحتاج المجتمع الدولي إلى تطبيق عقوبات اقتصادية مستهدفة على قادة المؤسسة العسكرية، ودعم برامج بناء القدرات للمؤسسات المدنية السودانية، وتقديم حوافز اقتصادية مشروطة بتحقيق تقدم في الانتقال الديمقراطي.
في الختام، يكشف التدخل السريع للمؤسسة العسكرية في تشكيل “حكومة الأمل” الطبيعة الحقيقية للمشهد السياسي السوداني، حيث تبقى السلطة الفعلية في يد العسكريين رغم الواجهات المدنية. إن مصداقية المؤسسة العسكرية في تسليم السلطة للمدنيين تتآكل مع كل تدخل جديد، وهو ما يجعل من الضروري البحث عن بدائل جديدة وآليات ضغط أكثر فعالية لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود في السودان. لقد حان الوقت لأن يدرك السودانيون والمجتمع الدولي أن الوعود العسكرية لا تتجاوز كونها حبراً على ورق، وأن الطريق الوحيد للتغيير الحقيقي يكمن في الضغط المستمر والمنسق من أجل انتقال ديمقراطي حقيقي وليس مجرد تجميل للواقع السياسي المأزوم.

زر الذهاب إلى الأعلى