منطق الڤار..” ميت عُقْبَة” تستعيد المجد،، والزمالك يعود إلى عرش الدوري.. إسماعيل جبريل تيسو..
لم يكن المشهد الختامي للدوري المصري الممتاز يوماً عادياً في روزنامة الكرة العربية، بل كان ليلة كروية استثنائية كتبت فيها الإثارة سطورها حتى الثواني الأخيرة، وعاش خلالها الجمهور المصري، وربما الجمهور العربي بأسره، حالة نادرة من التوتر والترقب والانتظار لمعرفة هوية البطل.
ثلاثة فرق دخلت الجولة الأخيرة وهي تحمل أحلام التتويج، وثلاث مباريات كانت مفتوحة على كل الاحتمالات؛ الزمالك أمام سيراميكا كليوباترا، وبراميدز أمام سموحة، والأهلي أمام المصري، وبين صافرات الملاعب الثلاث ظل اللقب معلقاً في الهواء، ينتقل من حسابات إلى أخرى، ومن مدرجات إلى مدرجات، دون أن يعرف أحد أين سيستقر درع البطولة.
وسط هذا التعقيد والإثارة، ظهر الدور الحقيقي للاتحاد المصري لكرة القدم بقيادة المهندس هاني أبوريدة، ليس فقط كجهة معنية بإدارة منظومة كرة القدم، وإنما كشريك في صناعة المشهد التاريخي، فقد تمت قراءة المشهد مبكراً، بإدراك أن هوية البطل قد تُحسم في اللحظات الأخيرة، فتم ترتيب كل التفاصيل بدقة لافتة، حيث جُهّزت طائرة عمودية تحمل درع البطولة، تتحرك فور تحديد هوية المتوج نحو الملعب الذي يحتضن البطل.
كانت فكرة تحمل بعداً تنظيمياً واحترافياً كبيراً؛ فالدرع ظل معلقاً بين السماء والأرض حتى حسمت النتائج وجهته النهائية. وحين استقر اللقب للزمالك، هبطت الهليكوبتر في قلب إستاد القاهرة، ولم تهبط وحدها، بل نزلت معها فرحة جماهير الأبيض، واكتمل مشهد التتويج بصورة تليق بختام موسم استثنائي.
يستحق هذا المشهد الإشادة؛ لأنه يؤكد أن نجاح البطولات لا يصنعه التنافس داخل المستطيل الأخضر وحده، وإنما تصنعه كذلك الإدارة الجيدة، والقراءة الدقيقة للسيناريوهات، والقدرة على التعامل مع التفاصيل الصغيرة التي تتحول أحياناً إلى لحظات تاريخية.
ومن هنا، تبدو التجربة المصرية جديرة بالتأمل بالنسبة للاتحاد السوداني لكرة القدم، الذي ظل لسنوات طويلة يواجه انتقادات متكررة تتعلق بتنظيم بطولة الدوري الممتاز، وما يصاحبها من تعقيدات وتأجيلات وإشكالات تتكرر كل موسم. فالتنظيم ليس ترفاً، بل عنصر أساسي في نجاح المنافسة وصناعة صورتها الذهنية لدى الجماهير.
وإذا كانت ليلة التتويج قد منحت الاتحاد المصري، مساحة من الثناء، فإنها منحت كذلك نادي الزمالك فرصة أخرى لتأكيد شخصيته الكبيرة وقدرته على النهوض من العثرات، إذ دخل أصحاب الفانلات البيضاء الموسم وهم يحملون العديد من التحديات، فقد عانى أبيض ( ميت عُقْبَة)من ظروف معقدة؛ إصابات مؤثرة، وعقوبات، وأزمات إدارية، ووقف قيد، ومع ذلك لم يسقط، خاصة بعد الفقدان الدراماتيكي للقب الكونفدرالية الأفريقية بعد النهائي المؤلم أمام اتحاد العاصمة الجزائري؛ حين فاز الأبيض إياباً بهدف نظيف، وهي النتيجة نفسها التي انتهت عليها مواجهة الذهاب في الجزائر، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح للفريق الجزائري داخل ملعب الزمالك وبين جماهيره.
فوز الزمالك للمرة الخامسة عشرة بلقب الدوري المصري الممتاز يعود إلى القرار الشجاع لمجلس إدارة النادي بمنح الثقة لابن النادي (معتمِد جمال) لقيادة الجهاز الفني لفريق الكرة، فقبل الرجل التحدي، وتحمَّل المسؤولية في مرحلة شديدة التعقيد، فنجح في إعادة التوازن للفريق، وقاده لاستعادة لقب الدوري والوصول إلى نهائي الكونفدرالية.
ولا تذهب التحية للاعبين وحدهم، بل تمتد إلى جماهير الزمالك التي بقيت السند الحقيقي للفريق في أصعب المراحل، وإلى مجلس الإدارة بقيادة حسين لبيب الذي واصل العمل رغم الضغوط، وفي النهاية، لم يفز الزمالك بدرع الدوري فقط، بل فاز كذلك برهان الصبر، أما الاتحاد المصري لكرة القدم، فقد كسب احترام الجميع، لأنه أثبت أن التنظيم المتقن يمكن أن يصنع بطلاً إضافياً لمشهد اللقب، حتى ولو لم ينزل إلى أرضية الملعب.



