الأعمدة

عن أهمية القراءة

.عبد الكريم البليخ..
القراءة أحد الوجوه العميقة لشخصية الإنسان، ومرآة تكشف مقدار اتساع روحه وقدرته على الإصغاء إلى العالم. فالإنسان لا يقرأ الحروف وحدها، بل يقرأ ذاته من خلالها، ويكتشف، شيئاً فشيئاً، أن المعرفة ليست تراكماً للمعلومات فحسب، بل طريقة في النظر، وأسلوب في الفَهم، ومسار طويل لتربية الحسّ والوجدان.
ومن هنا تأتي أهمية القراءة في الطفولة على وجه الخصوص؛ فالطفل الذي يقترب من الكتاب مبكراً لا يكتسب مهارة لغوية فقط، بل يتدرّب على الدهشة، وعلى التأمل، وعلى تخيّل ما لا يراه بعينيه.
إن الكتاب، بالنسبة إلى الطفل، ليس ورقاً وصوراً وكلمات، بل عالم صغير يشبه اللعبة حيناً، والنافذة حيناً آخر، يطلّ منه على الناس والطبيعة والحكايات والأسئلة.
ولذلك كان الاهتمام بكتاب الطفل ضرورة تربوية ونفسية واجتماعية، لا ترفاً ثقافياً. فالكتاب المناسب لعمر الطفل يهيّئه لتعلّم القراءة، ثم يحبّبه بها حين يبدأ في فك رموزها. والرغبة في القراءة لا تنشأ من فراغ، بل تولد من بيئة تمنح الكتاب مكانةً في الحياة اليومية. فالطفل الذي يرى أباه أو أمه يقرآن، والذي يعيش في بيتٍ تُحترم فيه الكتب، يبدأ في إدراك أن القراءة فعل طبيعي، مثل الكلام والمشي واللعب.
وقبل أن يبلغ الطفل السادسة، يكون قد خزّن في ذاكرته مشاهد كثيرة: كتاب في يد أمه، صحيفة على طاولة أبيه، قصة تُقرأ قبل النوم، رفّ صغير يخصّه وحده. هذه التفاصيل، على بساطتها، تصنع علاقة مبكرة بين الطفل والكتاب، وتجعله أكثر استعداداً لدخول عالم القراءة المدرسية بثقة ومحبة.
وفي المراحل الأولى، تكون الصورة هي الجسر الأهم إلى المعنى؛ فهي تجذب العين، وتوقظ الخيال، وتساعد الطفل على بناء الحكاية. ثم تتقدّم الكلمة تدريجياً، حتى تتوازن مع الصورة، وبعد العاشرة والحادية عشرة تبدأ اللغة في احتلال مساحة أوسع، إلى أن تصبح الكتابة نفسها العنصر الأساس في سن المراهقة.
إن الطفل الذي ينشأ في بيئة قارئة يدخل المدرسة ومعه ثروة خفية من التصورات والمفردات والانطباعات. لا يبدأ من الصفر، بل يحمل معه رصيداً وجدانياً ومعرفياً يساعده على الفهم والاستيعاب. وهنا يصبح دور الأسرة حاسماً؛ فالمكتبة الصغيرة في البيت قد تكون أعظم هدية لطفل، لأنها لا تمنحه كتاباً فقط، بل تمنحه عادة، وأفقاً، وطريقة مختلفة في الحياة.
فالقراءة، في النهاية، ليست مهارة مدرسية تنتهي بالامتحان، بل عادة وجودية تفتح للإنسان أبواب المعرفة، وتجعله أكثر نضجاً ورحمةً وقدرةً على فهم نفسه والآخرين. ومن يزرع الكتاب في طفولة أبنائه، إنما يزرع فيهم بذرة وعيٍ لا تذبل.

زر الذهاب إلى الأعلى