كثيرٌ من شواهد تباعد بعض الصحفيين والصحفيات ونشطاء الفضاء الإسفيري بدأت تطفو إلى السطح بصورة لافتة. ويمكن لمن يُحسن الظن أن يفسر ذلك بأنه ناتج عن شعور تلك الأقلام والأصوات بحدوث تحولات عن الخط الذي اتبعه الجيش منذ بداية الحرب، على صعيد التراجع في مستوى الانتصارات، وفقدان الكثير من المواقع لصالح أطراف أخرى اشتغلت أخيراً، فضلاً عن احتضان الجيش لقادة أساسيين من أصحاب الانتهاكات والجرائم الذين عادوا منسقين إليه بعد انتمائهم لقوات الدعم السريع.
بل إن مستوى المعارك على تلك الجبهات بلغ مرحلة ما يُعرف ـ بلغة المحللين العسكريين المحايدين ـ بـ«توازن الضعف»، وكان لذلك كله أثره في نفسيات أولئك المنتقدين للقيادة بصورة علنية وصريحة، حتى بلغ لدى بعضهم إطلاق ألسنة التنابذ والإساءات الشخصية المقززة تعبيراً عن خيبة أملهم، وخطل ظنهم بأن النصر سيكون حليف الجيش لا محالة، كما راهنوا وهم في غمرة حماسهم الأول حياله.
بيد أن ما فجّره وزير الإعلام في حكومة الدكتور كامل إدريس، الأستاذ خالد علي الإعيسر، من اتهام يُعد أمراً خطيراً، لا يدين فقط من وصفهم بأنهم كانوا يدافعون عن الجيش نظير المال، حين شبّه بعضهم ـ دون أن يسمّيهم لا بالاسم ولا بالكنية ـ بـ«النائحة المستأجرة»، وإنما يمتد أثره إلى ما هو أبعد من ذلك.
فالوزير، في لحظة غبنه تلك، لم يدرك خطورة طعنه ـ بصورة غير مباشرة ـ في قيادة الجيش نفسها، حين أوحى بأن هناك من كانت تُستأجر أقلامهم وأصواتهم للترويج والدعم الإعلامي، وأن هؤلاء لم يكونوا أصحاب موقف أو قناعة، بل مجرد منتفعين ينقلبون متى ما انقطع عنهم حبل الوصال المادي، كما عبّر الوزير صراحة.
والذي بدا من حديثه أنه خلط بين غضبه من الانتقادات الموجهة إليه شخصياً، ومن تفنيد فشل الحكومة التي ينتمي إليها، وبين النقد الموجه لقيادات الجيش، فأراد أن يضع البيض كله في سلة واحدة، وكأن لسان حاله يقول:
«عليَّ وعلى جيراني»؛
فلتصل حجارة التقاذف إلى الجميع ما دامت قد تجاوزتني!



