الأعمدة

بنك الخرطوم وحكم ابتكو خصم صندوق ضمان الودائع… من يدفع؟ وأين تذهب الأموال؟

دكتور ياسر موسى برير
جامعة الخرطوم
أثار قيام بنك الخرطوم بخصم مبالغ مالية من حسابات عملائه – بما في ذلك حسابات الادخار بمختلف أنواعها – موجة واسعة من التساؤلات والقلق، خاصة بعد تبرير البنك لهذه الخصومات بأنها لصالح صندوق ضمان الودائع المصرفية.
ورغم أهمية فكرة ضمان الودائع في حد ذاتها، إلا أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المبدأ، بل في من يتحمل التكلفة؟ وكيف يتم الخصم؟ وما مصير هذه الأموال؟.
أولاً: ما هو صندوق ضمان الودائع؟
صندوق ضمان الودائع هو آلية تنظيمية تهدف إلى حماية أموال المودعين في حال تعثر أي بنك أو إفلاسه، بما يعزز الثقة في الجهاز المصرفي ويحد من حالات الهلع المصرفي.
وفي الأنظمة المصرفية المستقرة، يُنشأ هذا الصندوق بموجب قانون أو نظام أساسي واضح، يحدد:
مصادر تمويله
الجهات الملزمة بالدفع
حدود الضمان
وآليات التعويض عند التعثر
ثانياً: السؤال الجوهري… من يدفع؟
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:
هل تمويل صندوق ضمان الودائع يتم من أموال البنوك أم من أموال العملاء؟
في التجارب المصرفية الرشيدة، يكون الأصل أن:
تتحمل البنوك تكلفة الاشتراك في الصندوق باعتبارها جزءًا من كلفة مزاولة النشاط المصرفي
ولا يتم الخصم مباشرة من حسابات العملاء، خاصة حسابات الادخار، إلا بنص قانوني صريح ومعلن
أما تحميل العميل عبء التمويل دون شفافية كافية، فيفتح الباب أمام شبهة نقل المخاطر من المؤسسات المالية إلى المودعين، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحماية التي أُنشئ الصندوق من أجلها.
ثالثاً: الخصم من حسابات الادخار… إشكال قانوني وأخلاقي
حسابات الادخار ليست حسابات رسوم أو خدمات، بل وعاء لحفظ أموال الأفراد، وغالبًا ما تكون:
محدودة العائد
موجهة لصغار المودعين
تمثل مدخرات أسر لا فوائض استثمارية
وعليه، فإن الخصم المباشر منها دون:
إخطار مسبق واضح
بيان قانوني منشور
شرح لطبيعة الخصم وحدوده الزمنية
يُعد مساسًا بثقة العميل، حتى لو كان الغرض المعلن هو “الحماية”.
رابعاً: ما مصير هذه المبالغ؟
لا يقل أهمية عن سؤال الخصم، سؤال المصير:
هل تُعتبر هذه المبالغ اشتراكًا غير قابل للاسترداد؟
أم مساهمة مؤقتة تُعاد للعميل لاحقًا؟
وهل تُحتسب ضمن حقوق المودع إذا لم يحدث تعثر مصرفي؟
غياب الإجابة الواضحة على هذه الأسئلة يعمّق حالة الضبابية، ويحوّل إجراء يُفترض أن يكون مطمئنًا إلى مصدر قلق مشروع.
خامساً: الشفافية… الغائب الأكبر
المشكلة الحقيقية ليست في وجود صندوق ضمان ودائع، بل في طريقة إدارة المعلومة:
لم تُعرض نصوص النظام الأساسي للصندوق للرأي العام
لم يُوضح الأساس القانوني للخصم من حسابات العملاء
ولم تُبيَّن حقوق العميل المستقبلية تجاه هذه المبالغ
وفي بيئة اقتصادية هشة، تصبح الشفافية ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الثقة بين المواطن والجهاز المصرفي.
خاتمة: حماية الودائع لا تعني إرهاق المودعين
إذا كان الهدف هو حماية أموال الناس، فلا يجوز أن تتم الحماية من جيوبهم دون علمهم الكامل.
فالمعادلة العادلة تقتضي أن:
تتحمل البنوك مسؤوليتها المؤسسية
تُدار صناديق الضمان بقوانين واضحة
ويُعامل المودع كشريك في المعرفة لا مجرد مصدر تمويل صامت
بين “الحكم” و”التكو”، يبقى الفيصل هو القانون والشفافية… لا حسن النوايا وحده.
مدرسة العلوم الإدارية

زر الذهاب إلى الأعلى