الأعمدة

” لن يحكمنا القتلة.. إرادة الشعب السوداني لا تُساوَم “

كتب : المستشار معاوية أبوالريش
“بيان يُعيد إنتاج الماضي”
حين أعلن الفريق عبد الفتاح البرهان أن حكومته ستدعو “القوى الوطنية ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء السودانيين”، وقف كثير من السودانيين أمام هذا التصريح في دهشة مشوبة بمرارة عميقة. فمن أي منطلق يتحدث من تشاركوا يوماً في إدارة آلة القتل والنهب عن معايير النقاء وطهارة اليد؟ ومتى كانت سكاكين الجلادين تتحول بين عشية وضحاها إلى أقلام مصلحين؟
إن في هذا التصريح من الوقاحة السياسية بقدر ما فيه من الإقرار الضمني بأن المشهد السوداني بات مكتظاً بمن أوغلوا في دماء أبناء هذا الشعب، وباتوا يتنافسون اليوم على إرث خرّبوه بأيديهم.
أولاً: ثلاثية الدم.. قاسم مشترك يجمع ما يتظاهر بالاختلاف
ثمة حقيقة صارخة يعرفها الشعب السوداني ويأبى نسيانها: أن أطراف هذه المعادلة الثلاثة – قوات الدعم السريع، والقوات المسلحة بقياداتها الراهنة، وكتائب الحركة الإسلامية – تسقي جميعها من نهر واحد، وإن اختلفت أكوابها واتسعت المسافة بين خطابها.
فقوات الدعم السريع، التي غدت رمزاً للإجرام الممنهج والتهجير القسري وانتهاك الأعراض، لم تنبت من فراغ، بل هي صنيعة النظام ذاته، نشأت في أحضانه وتغذّت على موارده وتسلّحت بغطائه السياسي. وأما القيادات العسكرية التي تتشدق اليوم بخطاب الوطن والشرعية، فقد تقاسمت مع تلك القوات سنوات من النفوذ والغنيمة، قبل أن يتحول شريك الأمس إلى خصم اليوم حين ضاقت دائرة المصالح. وأما كتائب الحركة الإسلامية، فحسبها ما اقترفته من جرائم بحق شعبها على امتداد ثلاثة عقود، وما اضطلعت به من دور مشبوه في إشعال فتيل هذه الحرب العبثية، تلك الحرب التي حوّلت السودان الحي إلى ركام ورماد.
هذه الأطراف الثلاثة يجمعها دم مشترك لا تنفع معه براءات الاختراع السياسية، ولا تُجدي معه ادعاءات التحوّل والإصلاح.
ثانياً: الثالث من يونيو.. جرح لا تُداويه المصالحات المُصطنَعة
في فجر الثالث من يونيو 2019، لم تكن ساحة اعتصام القيادة العامة مجرد فضاء سياسي أو بؤرة احتجاج عابرة، كانت رحم الأمل السوداني الجديد، وكانت إعلاناً حياً بأن هذا الشعب قد استعاد صوته وقرّر أن يكون سيد مصيره.
كان الناس هناك يحملون أحلامهم بصدور عارية في مواجهة عقود من القهر والإذلال، حين انهالت عليهم الرصاصات وتعالت صرخات الذعر وسقط الشهداء الأبرار. ثم ظنّ الجلادون أن إلقاء الجثث في أمواج النيل كفيل بطمس الجريمة وإغراق الذاكرة في قاع النسيان. لكنهم أخطأوا الحساب، فالنيل ذاته كان شاهداً لا شريكاً، ودماء الأحرار لا يجرفها ماء مهما جرى، ولا يمحوها زمن مهما مضى.
الشعب السوداني لم ينسَ، ولن ينسى. وكل حديث عن مصالحة وطنية لا يبدأ بالاعتراف الصريح بهذه الجريمة والمحاسبة الكاملة عليها، ليس إلا ضرباً من الاستهزاء بدماء الشهداء، ومحاولة فاشلة لشراء الصمت بعملة الإفلات من العقاب.
ثالثاً: ثلاثون عاماً من النهب المنظَّم
لا تكتمل صورة الجريمة دون استحضار حجم ما ارتكبه نظام الإنقاذ بحق الأجيال السودانية المتعاقبة على صعيد النهب الاقتصادي الممنهج. ثروات بلد عريق من ذهب ونفط وأراضٍ زراعية خصبة وموارد لا تحصى، تبخّرت في غياهب الحسابات السرية في الخارج، وتوزعت في جيوب المقربين والمحاسيب، فيما كان الملايين يعجزون عن توفير الدواء لأطفالهم المرضى أو رغيف الخبز لأسرهم الجائعة.
لم يكن ذلك إهمالاً أو قصوراً في الحوكمة، بل كان نهباً مقصوداً مدروساً، تولّت تنفيذه منظومة متكاملة من الفساد المؤسسي، تمتد جذورها عميقاً في أجهزة الجيش والأمن والتنظيمات الموازية، وتُحكم قبضتها على مفاصل الدولة بذرائع الدين تارة، وبسطوة السلاح تارة أخرى.
ومن أفنى ثلاثة عقود ينهب مقدّرات البلاد ويُجوّع العباد، ثم أشعل في آخر المطاف حرباً مدمرة ليُفلت من المحاسبة ويُعيد تقسيم الغنائم، لا يملك الحق اليوم في أن يُقدّم نفسه شريكاً في بناء المستقبل، ولا صوتاً في رسم ملامح الوطن الجديد.
رابعاً: الشعب أصدر حكمه.. ولا استئناف فيه
في أبريل 2019، نزل الشعب السوداني إلى الشوارع وأطاح برأس النظام بصدور عارية في مواجهة الحديد والنار، ولم تردعه رصاصة ولم تُثنِه مجزرة. لم تكن تلك الانتفاضة فورة غضب عابرة تستجيب لضيق آني، بل كانت حكماً تاريخياً صادراً بإجماع الأجيال على منظومة إجرامية بأكملها، حكماً كتبه الشعب بدمه على جدران القيادة العامة وفي شوارع المدن والقرى.
ذلك الحكم لا يوقفه انقلاب، ولا تُلغيه هدنة، ولا تُجمّله مبادرات التسوية المطبوخة على نار السفارات. والشعب السوداني الذي لم تكسر إرادته المجازر والتجويع والتهجير، قادر اليوم كما كان بالأمس على إسقاط كل مخطط يرمي إلى إعادة تدوير مجرمي الحركة الإسلامية وأذرعها العسكرية في واجهة المشهد، أياً كانت المسميات الجديدة وأياً كانت الهيئات التي يتخفّون وراءها.
“السودان لمن بنوه.. لا لمن نهبوه وأحرقوه”
إن السودان الذي يحلم به أبناؤه الشرفاء لن يُشيَّد على أنقاض تسويات ملفَّقة تُعيد أصحاب الأيدي الملوثة إلى سدة الحكم من نافذة المصالحة المجانية. شرط البناء الحقيقي يبدأ بالمحاسبة لا بالتسامح المفروض، وبالعدالة لا بالإفلات من العقاب، وبالاعتراف لا بالمراوغة.
القوى الوطنية الحقيقية ليست من يملك اليوم دبابة أو يستأجر منبراً، بل هي تلك القوى التي وقفت مع شعبها في ساعات المحنة الكبرى دون مقابل ودون وصاية، وهي التي تحمل مشروعاً للبلاد لا مشروعاً للنجاة بالنفس.
لقد أصدر الشعب السوداني حكمه على هذا النظام ومجرميه.
وحكم الشعب لا يُنقض ولا يُستأنف.

زر الذهاب إلى الأعلى