
الجنيهات!
عبدالباسط شاطرابي
في ستين داهية.. عبارة تريح النفس رغم دلالاتها المرعبة، وقد جربتها مرات عديدة، فكانت ماءً بارداً في جوف ظامئ ذات صيف.
آخر مرة قلتها عندما اكتشفتُ بالصدفة أن في حقيبتي مبلغاً يبلغ نحو مئة ألف جنيه، لم أكن قد استبدلته بالعملة الجديدة في الموعد المحدد، فبار في مكانه، ليبقى ذكرى ترقص في عالم النسيان!
قلت وأنا أنظر للمبلغ: “في ستين داهية”، خصوصاً وأن عملية حسابية سريعة أجراها دماغي، أكدت أن المسألة هي فقدان نحو خمسة وعشرين دولاراً، أو أقل، وهو مبلغ (يغيظ)، لكنه ليس ثروة تستحق سرادق العزاء.
كنت في السابق أتململ وأنا أستمع لبعض كبار السن، حين يتحدثون عما كان يفعله المليم والقرش، وأحس أنهم يبالغون، والآن، وقد أصبحت منهم، لا أريد أن أتحدث عن الجنيه والألف وما كان يأتي به من رفاهية معيشية.. فحاشا لله أن أصيب أحداً بالتململ، ولتذهب لذة السرد غير مأسوف عليها.
المهم؛ تابعت كغيري أسعار الأضاحي في الوطن الملتهب، فوجدت أن سعر الخروف الآن كان يكفي لشراء منزل والزواج بأربع من الحسان، وإعاشة كتيبة من الأبناء والبنات في سبات ونبات.
أقول هذا، وأستدرك بأن الخراف لم تتدلل على الناس، لكن الجنيه هو من خذل الجيوب، فصار يذوي وينحف إلى أن أهلكه الهزال، وبات بلا حراك.
وللحق أذكر أيضاً، أن الداء ليس جديداً، فالعقود الأخيرة ظلت تشهد احتضار الجنيه، حتى أن البعض طالب في سنوات مضت، بأن تتخلى الدولة عن منح الرواتب، وتكتفي فقط بتوفير الحد الأدنى من الأكل والشرب والسكن لكل أسرة، وكفى الله المؤمنين القتال!
هل سيعود الجنيه إلى ازدهاره أيام العز؟
ولم لا؟
الحروب تدمر الأوطان، لكنها حين تنطفئ تنهض البلاد وتتعملق.. والعالم مليء بالشواهد.
بقي فقط أن تنقشع الحرب.
وتتسامى النفوس..
ويطأ الناس جراحهم..
…
ولتذهب الأيام الكالحة في ستين داهية..
وكل عام وأنتم بخير.



