الأعمدة

ليس دفاعاً عن العلمانية فقط… بل إنقاذاً للدين من الساسة تجار الدين

حنان حسن
بعد التوقيع على إعلان المبادئ في نيروبي بين القوى المدنية، والحديث عن ضرورة بناء دولة سودانية جديدة قائمة على العدالة والمواطنة خرجت نفس الأصوات القديمة لتخوّف الناس من كلمة العلمانية وكأنها شبح أو حرب على الإسلام.
لكن الحقيقة التي يحاول الإسلاميون إخفاءها منذ عقود هي أن أكبر إساءة للدين في السودان لم تأتِ من العلمانية… بل جاءت ممن حكموا باسم الدين فحوّلوا المقدس إلى أداة سلطة، وحوّلوا الإيمان إلى وسيلة قمع وحوّلوا الوطن إلى ساحة حرب باسم الله.
العلمانية..ذلك المفهوم الذي لم يُحارب بقدر ما شُوّه…ولم يُناقش بقدر ما صُوِّر كتهديد..بينما هو في جوهره محاولة لفصل قداسة الإيمان عن صراع السلطة..حتى لا يُختزل الدين في يد الحاكم أو يُستخدم كسلاح ضد المواطنين.
هذا المقال ليس دفاعاً عن الكفر كما سيحاول البعض أن يصوّر، بل دفاع عن الدين نفسه… عن حق الناس في الإيمان الحر وعن ضرورة فصل قدسية العقيدة عن الساسة تجار الدين.
العلمانية ما عدوة للدين… العدو الحقيقي للدين هو استغلاله.
أكبر جريمة ارتكبتها الحركة الإسلامية في السودان ما كانت فقط في السياسة..بل في تشويه الوعي.. زرعوا في عقول الناس إنو العلمانية معناها الكفر..وإنها حرب على الإسلام.. بينما هم أنفسهم مارسوا أبشع أنواع الظلم باسم الإسلام..قتلوا باسم الدين..كذبوا باسم الدين..سرقوا باسم الدين.. أقصوا الناس باسم الدين..وحوّلوا الدين العظيم من رسالة أخلاق وعدالة ورحمة إلى أداة سلطة وخوف.
السؤال الحقيقي:
لو المشروع الإسلامي كان فعلاً مشروع أخلاق وعدالة… لماذا انتهى بكل هذا الخراب؟
العلمانية ما معناها الناس تترك دينها.
وما معناها منع الصلاة أو الحجاب أو القرآن.
العلمانية ببساطة معناها:
الدولة تكون محايدة تجاه الأديان..حتى لا يستخدم أي حزب أو جماعة الدين كسلاح للوصول للحكم أو قمع الآخرين.
العلمانية بتحمي الدين من السياسي الانتهازي.
لأن السياسي لما يلبس عباءة المقدس..يصبح نقده كأنه نقد للدين نفسه..ومن هنا بدأت الكارثة.
الدين يبقى عظيماً حين يكون فوق السلطة..لا حين يتحول إلى برنامج حكومي أو خطاب تعبئة أو فتوى حرب.
في الدولة العلمانية:
المسلم يبقى مسلم..
والمسيحي يبقى مسيحي..
والمؤمن وغير المؤمن يعيشوا بحقوق متساوية..
وما في زول يحتكر الجنة ولا يوزع صكوك الإيمان.
حتى دول مسلمة كبيرة مثل تركيا عاشت تجربة الدولة العلمانية لعقود طويلة..ولم يختفِ الإسلام منها..بل ظل المجتمع متديناً بطبيعته.. لأن التدين الحقيقي لا تصنعه السلطة…
السودان بلد متنوع:
مسلمين..مسيحيين..أفارقة..عرب.. قبائل وثقافات متعددة.
ولا يمكن حكم هذا التنوع بعقلية نحن نمثل الله وأنتم أعداؤه..
فالحرب في جنوب السودان امتدت لعقود طويلة..وتداخل فيها السياسي بالديني..وتم تقديم الصراع في كثير من مراحله كأنه صراع هوية دينية وحضارية.. بينما كانت جذوره الأعمق تتعلق بالسلطة والتهميش وتوزيع الثروة وبنية الدولة نفسها. هذا الخلط بين الدين والسياسة لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الشرخ وانتهى في النهاية بانفصال بلدٍ كامل في واحدة من أثقل كلفة سياسية واجتماعية في تاريخ المنطقة.
العلمانية ليست ضد العقيدة.
هي ضمانة للعقيدة.
هي حماية للمسجد كما هي حماية للكنيسة.
هي أن يكون إيمانك نابعاً من قناعة.. لا من خوف الدولة.
الذين يخوّفون الناس من العلمانية غالباً لا يريدون حماية الدين…
بل يريدون حماية سلطتهم باسم الدين.
والشعب السوداني بعد كل الدم والخراب لازم يسأل بدون خوف:
هل نريد دولة تخدم الإنسان؟
أم دولة تستخدم الله لتبرير فشل بشر؟

زر الذهاب إلى الأعلى