الأعمدة

كومبارس الوثبة يعود من جديد نفس الوجوه نفس المسرحية ونفس الأكاذيب القديمة بثوب الحوار الوطني

✍️ مؤيد الأمين
في السودان لا تموت المسرحيات السياسية بل يعاد عرضها كل مرة مع تغيير الإضاءة فقط
أما الممثلون فهم أنفسهم
نفس الوجوه التي اعتاد الشعب رؤيتها وهي تصفق للطغيان وتبارك الكذب وتضع رتوش الوطنية على وجه الاستبداد
يخرج علينا حاتم السر مرحبا بدعوة البرهان لما يسمى بالحوار السوداني السوداني وكأن البلاد لم تشاهد هذا الفيلم الرديء عشرات المرات
وكأن السودانيين نسوا مواكب الخداع التي كانت تسير تحت لافتات الوفاق الوطني والوثبة والإصلاح السياسي بينما كانت البلاد تغرق في الفساد والقمع والحروب
الرجل نفسه الذي كان يظهر في زمن البشير كأحد ديكورات الانتخابات المزيفة عاد اليوم ليؤدي الدور ذاته ولكن هذه المرة تحت إدارة البرهان
هو نفسه الذي كان يستخدم لإيهام العالم بأن هناك حياة سياسية وأن الأحزاب تشارك وأن المسرحية الديمقراطية قائمة بينما النتائج تكتب مسبقا داخل غرف الأجهزة الأمنية ومكاتب الحركة الإسلامية
كل مرة يحتاج الإسلامويون فيها إلى غطاء مدني يخرجون نفس الشخصيات من المخزن السياسي
شخصيات فقدت أي وزن جماهيري منذ سنوات لكنها ما تزال تؤدي وظيفة مهمة جدا بالنسبة للكيزان
وظيفة منح الشرعية الزائفة
وتجميل وجه السلطة
وبيع الوهم للرأي العام
ما يسمى بالحزب الاتحادي الأصل في هذه النسخة لم يعد حزبا سياسيا بقدر ما أصبح لافتة قديمة تستخدم عند الحاجة
لا مشروع
لا جماهير
لا موقف واضح
فقط بيانات جاهزة للترحيب والتأييد والتطبيل لكل سلطة تحمل نفس الروح القديمة
البرهان اليوم لا يختلف كثيرا عن البشير في طريقة إدارة المشهد
الاختلاف فقط في شكل الزي العسكري وفي أسماء المذيعين الذين يقرأون البيانات
أما جوهر اللعبة فهو نفسه
خلق حوار صوري
استدعاء أحزاب الفكة
إظهار بعض الوجوه المستهلكة
ثم الحديث عن عدم الإقصاء والديمقراطية وكأن المشكلة في السودان كانت يوما نقصا في الشعارات
الإسلامويون يعتقدون أن الزمن توقف عند سنوات سيطرتهم الكاملة على الإعلام
حين كانت ماكينة التضليل تعمل ليل نهار لصناعة الأكاذيب وتزييف وعي الناس
يظنون أن الشعب ما زال يمكن خداعه بنفس الخطاب ونفس التكتيكات ونفس المسرح الرديء
لكن المشكلة الكبرى عندهم أنهم لم يفهموا شيئا من التحولات التي حدثت
الشعب الذي خرج ضد البشير لم يكن غاضبا من شخص واحد فقط
بل من منظومة كاملة
من عقلية كاملة
من شبكة فساد وتضليل واحتكار دولة حولت السودان إلى مزرعة خاصة للجماعة
واليوم حين تظهر نفس الشخصيات لتسويق ما يسمى بالحوار الوطني فإنها لا تقنع أحدا
بل تذكر الناس فقط بحجم العبث الذي عاشته البلاد لعقود
المضحك المبكي أن هؤلاء يتحدثون عن الديمقراطية وكأنهم لم يكونوا جزءا من أكبر عملية اغتيال للحياة السياسية في السودان
ويتحدثون عن الحرية وكأن المعتقلات وبيوت الأشباح لم تكن يوما من صناعتهم
ويتحدثون عن السلام وكأن الحروب لم تزدهر في عهدهم
إنها كوميديا سياسية سوداء
مسرحية يعرف الشعب كل فصولها مسبقا
يعرف البطل المزيف
ويعرف المخرج الحقيقي خلف الستار
ويعرف أن الهدف ليس الحوار ولا الوطن ولا الديمقراطية
بل البحث عن طريق جديد لإعادة تدوير الجماعة القديمة
لكن السودان اليوم ليس سودان الأمس
والذاكرة التي حاولوا قتلها ما تزال حية
وكل قناع جديد يسقط أسرع من الذي قبله
لأن الشعب الذي اكتشف الخدعة مرة لن يصفق للكومبارس مرة أخرى

زر الذهاب إلى الأعلى