الأعمدة

السودان ليس قحت ولا كيزان… بل شعب يرفض الوصاية من الجميع (٤-٤)

بقلم: د. أحمد طه العاقب أبوحريرة
الجيش السوداني… بين إرث الدولة وصدمة الحرب: كيف يستعيد دوره دون أن يتحول إلى دولة داخل الدولة؟**
لا يوجد جسم في السودان أثار هذا القدر من الجدل في سنوات الحرب مثل القوات المسلحة السودانية.
فهي المؤسسة التي حملت على كتفيها إرث الدولة منذ الاستقلال، وهي ذات المؤسسة التي وُضِعت في قلب صراعات السياسة، ثم دُفعت – دفعاً لا اختياراً – إلى مواجهةٍ تُهدد كيان الوطن كله، لا كيانها وحدها.
لكن النقاش حول الجيش اليوم لا يجب أن يكون نقاش ولاء أو اصطفاف، بل نقاش دور ومسؤولية ومستقبل… نقاش مؤسسة دولة ينبغي أن تبقى فوق الخلافات، لا أداةً داخلها.
1. الجيش… بين شرعية التاريخ وتشويه اللحظة
القوات المسلحة ليست جسماً مستجلباً أو ميليشيا عابرة.
هي أقدم مؤسسة سودانية وأعمقها جذراً، وهي العمود الفقري الذي استندت عليه الدولة منذ أول يوم بعد الاستقلال.
لكن عقوداً من التجاذبات السياسية جعلت الجيش يتأرجح بين:
واجب حماية الدولة،
وإغراءات السلطة،
وضغوط الأنظمة،
وأخطاء النخب،
ومشاريع التمكين التي حاولت استخدامه كأداة لا كركيزة وطنية.
ورغم ذلك، يظل واضحاً أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي لم تنشأ خارج السودان، ولم تُموَّل من الخارج، ولم تتكئ على رعاة إقليميين.
ولهذا ظلّت الأطراف الدولية تتعامل معه باعتباره “عامل استقرار” حتى وهي تختلف معه.
2. صدمة الحرب… واختبار البقاء
الحرب الأخيرة وضعت القوات المسلحة أمام امتحان لم يشهده تاريخها:
حرب داخل المدن، منظمة مسلحة مدعومة خارجياً، انهيار اقتصادي، فراغ سياسي، وضغط شعبي يطالب بالوضوح والمحاسبة معاً.
ورغم الضربة القاسية التي تعرّضت لها البلاد، فإن الجيش استطاع – بقدر ما تسمح به الظروف – أن يحافظ على تماسكه البنيوي، وهو ما لم يحدث في دول أخرى واجهت ذات السيناريو.
ورغم الأخطاء، ورغم بطء التقدّم في بعض الجبهات، إلا أنّ تماسك الجيش نفسه كان أحد الأسباب التي أبقت السودان – حتى اليوم – دولة وليست كومة خرائط.
3. التحدي الأكبر: كيف يبقى الجيش… جيشاً؟
الخطر الحقيقي ليس أن يضعف الجيش، بل أن يتحوّل إلى دولة داخل الدولة.
الجيش الذي يصبح منافساً سياسياً يفقد مكانته… والجيش الذي يُستدرج إلى الحكم يفقد حياده… والجيش الذي يُشيطن يُفقد البلد استقراره.
لذلك يجب أن يكون النقاش الوطني حول المؤسسة العسكرية واضحاً، يقوم على ثلاث قواعد:
1. الجيش عمود الدولة… لا يمكن إسقاطه ولا استبداله.
2. ولا يمكن أن يحكم البلد، لأن الحكم يفسده ويفسدها.
3. ولا يمكن إخضاعه لمشاريع حزبية، لأنه حينها يفقد وطنيته.
هذه المعادلة الصعبة لا بد أن تكون أساس أي ترتيبات مستقبلية:
جيش قوي… مستقل… محترف… بلا امتيازات سياسية، وبلا وصاية خارجية.
4. ما الذي يحتاجه الجيش للخروج من هذه الحرب؟
القوات المسلحة يمكن أن تستعيد دورها التاريخي، لكن ليس بنفس الطريقة التي كانت قبل الحرب.
هي تحتاج إلى:
إصلاح عسكري حقيقي بعيد عن الشعارات.
هيكلة مهنية لا علاقة لها بحسابات القوى السياسية.
دمج كل السلاح خارج الدولة مهما كانت الرايات.
تحرير المؤسسة من شبكات التمكين القديمة والجديدة.
إعادة تعريف علاقتها بالسلطة المدنية على أساس الشراكة لا السيطرة.
أهم ما يحتاجه الجيش اليوم هو ثقة الشعب…
وثقة الشعب لا تُمنح بالبيانات، بل بالفعل والانضباط والابتعاد عن السياسة.
5. الدولة… لا تقوم دون جيش
يمكن للسودانيين أن يختلفوا حول الأحزاب، حول قحت، حول الكيزان، حول الحكومة، حول السيادة…
لكن لا أحد يستطيع – مهما بلغ اختلافه – أن ينكر حقيقة واحدة:
لا توجد دولة دون جيش.
ولا يمكن لسودان ما بعد الحرب أن يقف على قدميه إذا كان جيشه مفككاً، أو مسيّساً، أو تابعاً، أو بلا رؤية.
والجيش نفسه لن ينجو إذا حاول لعب دور السياسي، أو إذا ترك الساحة للميليشيات، أو إذا قبل أن يُختزل في معادلات خارجية.
6. الخلاصة: الجيش ملك الوطن… لا ملك سلطة
القوات المسلحة ليست مقدسة، وليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست جسماً عادياً ليُقارن بأطراف الحرب.
هي مؤسسة الدولة الوحيدة المتبقية بشكلها الوطني.
وإذا أراد السودانيون بناء المستقبل، فإن عليهم أن يحافظوا على الجيش مؤسسةً لا أداة… وطنيةً لا حزبية… وحاميةً لا حاكمة.
عندها فقط يمكن أن يبدأ السودان مرحلة جديدة،
مرحلة تخرج من تحت الركام لا بالميليشيات ولا بالصفقات ولا بالوكلاء،
بل بدولة لها جيش…
وجيش له وطن…
لا مشروع سياسي.
.

زر الذهاب إلى الأعلى