الأعمدة

العلمانية في السودان كيف تحولت كلمةٌ سياسية إلى فزَّاعةٍ تُستخدم كلما اقترب السودانيون من التغيير؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
منذ إستقلال السودان ، ظل الصراع السياسي لا يدور حول التنمية ولا الإقتصاد ولا العدالة ولا الحريات ولا البرنامج السياسي للحزب..
🧐🫵وإنما يدور حول تخويف الناس من خصومٍ سياسيين عبر إلصاق أوصافٍ وشعاراتٍ سيئة بهم تتعلق في الغالب بالكُفر بالله ومعاداة الإسلام ‼️
في الماضي كانت التهمة الجاهزة هي:
“الشيوعية”‼️
ثم تطورت لاحقاً لتصبح: “العلمانية”‼️
قبل أن تظهر التهمة الجديدة: القحاطة ‼️ 💢
مثل ما نجحت الأحزاب التقليدية والطوائف الدينية في تخويف قطاعات واسعة من الشعب السوداني من كلمة “الشيوعية”، نجحت جماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض في تحويل كلمة “العلمانية” إلى مرادفٍ للكفر ومحاربة الإسلام والفجور والانحلال‼️💢
حتى صار كثيرٌ من الناس يخافون من الكلمة قبل أن يعرفوا معناها أصلاً‼️
لكن ما هي العلمانية أصلاً؟! 🤔
إذا رجعنا إلى التاريخ، سنجد أن العلمانية كانت قد نشأت في أوروبا في ظروفٍ خاصة مرتبطة بصراع الكنيسة مع السلطة السياسية، حين كانت الكنيسة و المؤسسات الدينية تتدخل بصورة مباشرة في الحكم والسياسة والاقتصاد والحياة العامة‼️
فنشأت العلمانية و جاءت الفكرة في ذلك السياق التاريخي لمعالجة مشكلة أوروبية خاصة بأوروبا وزمانها وظروفها‼️
لكن المشكلة أن كثيراً من الناس لا زالوا يتعاملون مع مفهوم العلمانية وكأنها قد توقفت عند تلك اللحظة التاريخية قبل مئات السنين‼️
بينما الحقيقة أن العالم كله قد تغير، وتغيرت معه كذلك كل المفاهيم والتجارب والنظم السياسية‼️
حتى الغرب نفسه لم يعد الآن يفهم العلمانية كما كان يفهمها قبل قرنين‼️
ففي بداياتها كانت بعض المدارس الفكرية تنظر إلى الدين باعتباره شأناً فردياً محضاً يجب عزله تماماً عن المجال العام..
لكن الواقع العملي أثبت أن الدين يظل في حياة الإنسان جزءاً أصيلاً من ثقافة كل الشعوب وهويتها وأخلاقها وقيمها الاجتماعية‼️
ولذلك فإن الدين ما زال حاضراً بقوة في المجتمعات الغربية نفسها..
وما زالت الانتماءات الدينية تؤثر في خيارات الناخبين وفي نتائج الانتخابات وفي تشكيل المزاج العام للمجتمعات‼️
لكن الفرق أن الدولة لا تمنح مواطناً حقوقاً إضافية بسبب دينه، ولا تحرمه من حقٍ بسبب عقيدته، ولا تسمح لأحد باحتكار السلطة باسم السماء..
🫵العلمانية اليوم ليست ديناً ولا نظام حكم‼️
وهنا يقع الخلط الأكبر في السودان..
فالعلمانية ليست ديناً جديداً كما يقول البعض من المنتسبين الي الجماعات الإسلامية..
وليست عقيدةً تنافس الإسلام أو المسيحية أو غيرهما..
العلمانية..ليست نظام حكمٍ مستقلاً مثل الديمقراطية أو الملكية أو الجمهورية..
🫵بل هي مجموعة مبادئ وترتيبات دستورية تختلف من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ومن عصر الي عصر ‼️
فالعلمانية الفرنسية ليست هي الأمريكية‼️
والأمريكية ليست هي البريطانية‼️
والتركية ليست هي الماليزية‼️
بل لا يوجد في العالم كله تعريفٌ واحدٌ متفق عليه للعلمانية‼️🫪
ولهذا فإن أي شخص يتحدث عن العلمانية في السودان يجب أن يوضح أولاً للناس :
أي علمانية يقصد؟!
وما تفاصيلها؟!
وما حدودها؟!
وما علاقتها بالدين والمجتمع والشريعة؟!
📜ماذا تفعل العلمانية الحديثة في أغلب التجارب المعاصرة؟! 🧐🤔
في أبسط صورها المعاصرة نجد أن العلمانية تسعى إلى:
🫵 منع احتكار السلطة باسم الدين
🫵 منع استغلال المشاعر الدينية في المنافسة السياسية
🫵 منع التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة
🫵 ضمان حرية العبادة والشعائر الدينية
🫵 جعل الكفاءة والقانون معياراً للمناصب العامة لا الانتماء الديني أو الحزبي
وهذه أمورٌ لا يرى فيها كثير من الناس تعارضاً مع جوهر الإسلام نفسه الذي يقوم على العدل والأمانة والمساواة وكرامة الإنسان‼️
🎭المفارقة السودانية العجيبة‼️😳
الغريب أن أكثر من يهاجمون العلمانية في السودان، تجدهم يرتبطون اقتصادياً وسياسياً وتعليمياً بدولٍ تقوم أنظمتها على نماذج مختلفة من العلمانية الحديثة‼️
أموالهم هناك..
إستثماراتهم هناك..
أبناؤهم يدرسون هناك..
وتجارتهم وإستثماراتهم كذلك مرتبطة بها..
🫵والان بعد الحرب، كل عائلاتهم تعيش هناك في تلك الدول والمجتمعات العلمانية 😈
بل إن علاقات الجماعة الإسلامية التي حكمت السودان خلال ال35 سنة الماضية ، تجد ان تحالفاتهم تمتد إلى دولٍ لا تقوم أصلاً على أي مشروع ديني بل ربما تعادي الأديان..
وذلك مثل الصين وروسيا وغيرها..
ولا تجدهم يرون في ذلك أي تناقض مع الإسلام 😈‼️
ولكن..
سبحان الله..
عندما يظهر خصمٌ سياسي سوداني معارض لجماعة مايسمي بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض ، فجأةً.. تتحول كلمة “العلمانية” عندهم إلى تهمةٍ جاهزة تستدعي كل معاني التخويف والتحريض والاستقطاب‼️😡💢
🧐🤔كيف إستُخدمت فزَّاعة العلمانية والديمقراطية ضد ثورة ديسمبر؟!
عندما خرج الشباب السوداني مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، كان أول ما عملت عليه الآلة الإعلامية التابعة للإسلاميين وبعض حلفائهم هو تصوير هؤلاء الشباب على أنهم:
▪️ أعداء للإسلام
▪️ دعاة انحلال
▪️ علمانيون
▪️ أصحاب مشروعٍ معادٍ للدين
ثم لاحقاً ..أُلصقت هذه التهمة بكل القوى المدنية والديمقراطية تقريباً دون مناقشة برامجها أو أفكارها أو رؤاها الاقتصادية والسياسية‼️
فصار النقاش حول الشعارات لا حول مشكلات السودان الحقيقية..
🧐🫵ولكن هنا يجب أن نكون منصفين:-
إن التجربة المريرة التي عاشها السودان تحت حكم جماعة ما يُسمى بالحركة الإسلامية لا تمثل الإسلام
ولا تمثل الشريعة الإسلامية
ولا تمثل النموذج الملزم للحكم في الإسلام‼️

بل هي مجرد تجربة بشرية لجماعة سياسية سودانية بكل ما فيها من صوابٍ وخطأ، وقد إنتهت تجربتهم في حكم السودان إلى نتائج كارثية يعرفها السودانيون جميعاً من حروبٍ وإنقساماتٍ وأزماتٍ اقتصادية وإستقطابٍ سياسي حاد وإنتهاكاتٍ واسعة للحقوق والحريات‼️

من الظلم للإسلام أن يُختزل في تجربة سياسية بشرية مهما رفعت من الشعارات الدينية‼️

كما أنه من الظلم للعقل أن يُمنع الناس من نقد تلك التجربة بحجة أنها تمثل الدين أو تتحدث باسمه‼️

🕋هل فرض الإسلام نموذجاً محدداً للدولة وللحكم؟! 🤔
عندما نتدبر النصوص الشرعية وتاريخ المسلمين الأوائل نجد أن الإسلام وضع مبادئ كبرى للحكم ولم يفرض شكلاً مؤسسياً واحداً للدولة يصلح لكل زمان ومكان‼️
فقد أكد على:
🫵 العدل
🫵 الشورى
🫵 الأمانة
🫵 حفظ الحقوق
🫵 المساواة
🫵 محاربة الظلم والاستبداد
أما الهياكل والمؤسسات والتفاصيل الإدارية فقد تُركت لاجتهاد الناس بحسب ظروفهم ومتغيرات عصرهم‼️
فلم تكن هناك في صدر الإسلام وزاراتٌ حديثة ولا بنوكٌ مركزية ولا برلمانات ولا أجهزة دولة بالمفهوم المعاصر..
ولم يكن هناك جيش نظامي دائم بالشكل المعروف اليوم من رتبٍ عسكرية ومؤسسات وتمويلٍ وموازناتٍ مستقلة..
ثم.. تطورت الحياة وتطورت معها مؤسسات الدولة وأساليب الإدارة والتنظيم‼️
وهذا أمرٌ طبيعي اقتضته حاجات البشر وتغير الأزمنة‼️

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
🫵هل نريد العلمانية أم لا؟!
وإنما:
🫵ما هو النظام الدستوري والسياسي الذي يحقق الحرية والعدالة والاستقرار ويحفظ الدين والحقوق معاً؟! 🤔
فإذا كان للأتراك تجربتهم ونموذجهم الخاص للعلمانية..
وللماليزيين نموذجهم الخاص ..
وللإندونيسيين نموذجهم الخاص للعلمانية والديمقراطية..
🧐🤔فلماذا لا يبحث السودانيون عن نموذج سوداني خاص بهم؟!
نموذجٌ يستلهم قيم الإسلام الكبرى في العدل والشورى والرحمة والأمانة..
ويستفيد في الوقت نفسه من تجارب البشرية الحديثة في الديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون والمؤسسات الحديثة‼️
ربما أخطأ الذين جعلوا من العلمانية مرادفاً للكفر المطلق..
وربما أخطأ أيضاً من يرفعون شعار العلمانية دون أن يشرحوا للشعب السوداني ماذا يقصدون بها تحديداً..
🫵ولهذا فإن الواجب على كل صاحب مشروعٍ سياسي لحكم السودان أن يطرح مشروعه بوضوحٍ كامل أمام الناس‼️
لا بالشعارات..
ولا بالتخويف..
ولا بالمتاجرة بالدين..
ولا بالاستقطاب العاطفي‼️
الشعب السوداني شعبٌ متدين بطبعه، ومن حقه أن يعرف التفاصيل قبل أن يختار أي مشروعٍ دستوري أو سياسي لمستقبل بلاده‼️
📜الخاتمة
بعد كل هذا الخراب والدمار والحرب والنزوح واللجوء والفقر الذي أصاب السودان بسب نظام حكم جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية وشركائها من العسكر وجماعة مايسمي بالتيار الإسلامي العريض ، ربما آن الأوان لأن يتوقف السودانيون عن تقديس التجارب السياسية الفاشلة أياً كان أصحابها‼️
وأن يتوقفوا كذلك عن شيطنة الأفكار والمصطلحات قبل فهمها ودراستها‼️
الباب ما زال مفتوحاً أمام السودانيين جميعاً..
الإسلاميين..
والمدنيين..
والليبراليين..
والقوميين..
وكل أبناء الوطن..
ليجتهدوا معاً في بناء نظام حكمٍ سوداني عصري حديث، يحفظ الدين ولا يتاجر به، ويصون الحقوق ولا يميز بين الناس، ويحقق العدل ولا يستبد باسم العقيدة أو الثورة أو القبيلة أو السلاح‼️
الأمم الحية لا تتقدم بالشعارات..
وإنما تتقدم بالمراجعة الصادقة والتفكير الحر والتعلم من الأخطاء وصناعة المستقبل بعقولٍ مفتوحة وقلوبٍ مخلصة للوطن والإنسان‼️
#السودان
#العلمانية
#الإسلام_السياسي
#ثورة_ديسمبر
#الديمقراطية

زر الذهاب إلى الأعلى