أذكر من المفارقات الغريبة التي رواها الجنرال الكيني سومبويا، أحد الوسطاء في محادثات نيفاشا بين وفد حكومة الإنقاذ برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية آنذاك، ووفد الحركة الشعبية بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق، والتي امتدت قرابة تسعة أشهر كاملة وأفضت لاحقاً إلى اتفاق السلام.
قال الرجل إنه تعجب من روح التوافق التي أبداها السودانيون في قبول الجلوس وجهاً لوجه داخل قاعة واحدة، رغم أن الحرب كانت تدور بينهم في الميدان. وعلى النقيض من ذلك، رفض وفدا إثيوبيا وإريتريا في ذلك الوقت مجرد اللقاء المباشر، رغم حضورهما إلى المكان نفسه لمناقشة القضايا العالقة بين البلدين. وكنا ـ كما قال ـ نتجشم عناء الركض بين موقعين متباعدين لننقل وجهات النظر المختلفة بين الوفدين الإريتري والإثيوبي، كل في مقره المنفصل.
تذكرت ذلك الحديث وأنا أتابع اليوم المؤتمر الصحفي لوفد الكتلة الديمقراطية الداعمة للقوات المسلحة السودانية، وهو يعلن من أديس أبابا انسحابه من الاجتماعات التي تنظمها الآلية الخماسية بين مختلف القوى السياسية الفاعلة في المشهد السوداني، سواء تلك الموالية للحكومة والجيش، أو مجموعة تأسيس المتحالفة مع الدعم السريع، أو تحالف صمود الرافض للحرب.
وقد جاء انسحاب وفد الكتلة الديمقراطية بعد وصوله إلى مقر الاجتماع، بدعوى رفضه الجلوس مع وفد تأسيس، باعتباره ـ من وجهة نظره ـ يمثل طرفاً عسكرياً وأمنياً لا شأن له بالمشاركة في الفعاليات السياسية خلال الظرف الراهن.
في المقابل، ترى بعض الجهات المشاركة أن السبب الحقيقي للانسحاب يعود إلى رفض الآلية المنظمة الاستجابة لرغبة الكتلة في إدخال عناصر جديدة إلى الحوار تمثل المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية، ولو عبر شخصيات ليست من الصفوف الأولى لتلك الجهات.
وهو ما يجعل مبررات الانسحاب غير مقنعة تماماً إذا كان الاعتراض منصباً فقط على مشاركة تأسيس، إذ كان بالإمكان اللجوء إلى صيغ تفاوض غير مباشرة للخروج من مأزق اللقاء المباشر.
فـ«تأسيس»، مهما كان دورها سلبياً في هذه الحرب، تظل جزءاً أصيلاً من المشكلة، شئنا أم أبينا، ولا بد أن تكون جزءاً من البحث عن الحل متى ما قبلت بمبدأ التفاوض. فهي تسيطر فعلياً على إقليم واسع يعادل في مساحته دولة بحجم فرنسا، فضلاً عن مناطق أخرى على تخوم عدد من الولايات.
إن مسلسل موافقة هذا الطرف وامتناع ذاك الطرف، تحت ذرائع مختلفة ظلت تراوح مكانها منذ اندلاع الحرب، ليس سوى نوع من الهروب إلى الأمام في مواجهة أزماتنا المتفاقمة، بل يمثل تمديداً مباشراً لمعاناة شعب يدفع في كل ساعة وكل يوم ثمن تلكؤ أطراف الصراع، تشرداً وجوعاً وتدهوراً في الخدمات وانعداماً للأمن وعزلةً متزايدة للدولة عن محيطها والعالم.
لذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من الذين ما زالوا يغلقون أبواب البحث عن الحلول أن يتحلوا بقدر أكبر من الحكمة والشجاعة السياسية، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، سعياً لإخراج هذا البلد الجريح من النفق المظلم الذي أُدخل إليه.
هدانا الله وإياهم إلى سواء السبيل.
وهو من وراء القصد، والمستعان على كل مصائبنا.



