
*كتب: عثمان الغتنيني*
حين يجتمع الكبار، ترتعش الأنامل وهي تكتب، ويخفق القلب شوقاً لزمنٍ مضى ولا يعود. التقطت عدستي هذا المشهد العفوي في مبنى الإدارة المحلية بالديس الشرقية، أثناء حضور الكابتن شرف محفوظ شرف ورفيق دربه الكابتن عمر البارك حفل اعتزال النجم الخلوق سالم برك كمون. لحظة جمعت الدكتور محمد عبد الرحمن باعباد، نجم اتحاد الشبيبة بالديس الشرقية، بالكابتن شرف محفوظ، أيقونة نادي التلال والمنتخبات الوطنية. جلست أستمع لهما بصمت، فالحديث بينهما ليس كأي حديث، فيه شجون وفيه تشويق وفيه نكهة رياضية أصيلة.
كانا يستعيدان أيام الكرة “زمان”، أيام المجد والعطاء والمنافسة الشريفة. أيام كان الجمهور يملأ المدرجات من كل فج عميق فقط ليشاهد الإبداع. تسمع منهما عن ملحمة هنا وهدف تاريخي هناك. عن قدم الدكتور باعباد التي عُرفت بأنها الأقوى في حضرموت، حتى أن صاروخية منه في لقاء الشبيبة وسمعون ارتطمت ببرميل ممتلئ بالحجارة خلف مرمى سمعون فأسقطته من قوة التسديدة. وعن ضربات رأس شرف محفوظ التي لا تخيب، كانت تصيب المرمى بدقة متناهية وكأنها مرسومة بالمسطرة.
وهنا توقف الزمن عندي عندما ذكر الدكتور باعباد أن نادي التلال العريق، قلعة الكؤوس، طلبه للاحتراف في عنفوان شبابه. عرض لا يرفض، لكنه رفضه. قالها وهو يبتسم بحسرة محب: «رفضت لأسباب خاصة.. الوفاء للنادي الذي تربيت فيه، وللديس الشرقية التي أعطتني كل شيء، كان أكبر من أي إغراء». أي وفاء هذا وأي انتماء في زمن أصبح فيه الولاء يُشترى ويُباع. أمام مثل هؤلاء الفطاحل تصمت وتتأمل وتتذكر جيلاً كان يلعب للشعار ولاسم المدينة ولفرحة الجماهير.
خرجت من جلستهما في حفل اعتزال الكابتن سالم كمون وأنا أردد: ليت الزمان يعود يوماً، ليتنا نستعيد ولو جزءاً يسيراً من روح تلك الأيام، من حبها ومن صدقها ومن نقائها. هذه الصورة ليست مجرد لقطة، إنها وثيقة حنين التُقطت في حضرة التاريخ، ورسالة للجيل الحالي بأن كرة القدم كانت وستظل أجمل عندما تُعزف بأقدام الأوفياء. زمن كان فيه اللاعب أسطورة بقدمه الصاروخية ورأسيته القاتلة ووفائه الذي لا يقدر بثمن.



