
ضياء الدين محمد احمد
قراءة سياسية في تقرير رويترز عن مجازر الفاشر
لم يكن تقرير وكالة رويترز الأخير حول الفاشر مجرد مادة صحفية عن مأساة إنسانية جديدة في السودان، بل وثيقة اتهام تاريخية تكشف كيف تحولت الحرب السودانية من صراع على السلطة إلى عملية إعادة تشكيل دموية للمجتمع والدولة والجغرافيا معًا.
التقرير، الذي استند إلى شهادات ناجين ومقاطع مصورة وتحقيقات ميدانية داخل مخيمات اللجوء، يضع العالم أمام صورة مرعبة: مدينة كاملة جرى إخضاعها عبر الحصار والتجويع والطائرات المسيّرة والإعدامات الميدانية والنهب المنظم. لم تعد الحرب هنا مواجهة بين جيشين، بل أصبحت حربًا ضد السكان أنفسهم، ضد الحياة المدنية، وضد إمكانية استمرار المجتمع.
الفاشر ليست مجرد مدينة في دارفور. إنها آخر مركز حضري كبير ظل خارج سيطرة قوات الدعم السريع لفترة طويلة، ولهذا فإن معركة السيطرة عليها لم تكن معركة عسكرية عادية، بل معركة على مستقبل الإقليم كله. ولهذا أيضًا اتخذ العنف فيها طابعًا شاملًا، يتجاوز التكتيك العسكري إلى منطق الإخضاع الكامل.
ما تكشفه شهادات الناجين في تقرير رويترز هو أن الحصار لم يكن نتيجة للحرب فقط، بل أداة مقصودة. الجوع استُخدم كسلاح. الدواء مُنع. الأسواق انهارت. المياه والغذاء تحولا إلى أدوات سيطرة. وهنا يظهر الوجه الحقيقي للحرب الحديثة في السودان: ليس فقط قتل الناس، بل تحطيم قدرتهم على البقاء أصلًا.
إن أخطر ما في التقرير ليس عدد القتلى وحده، بل طبيعة العنف نفسها. فالناجون يتحدثون عن:
– إعدامات ميدانية مباشرة،
– قتل على أساس الاشتباه أو الهوية،
– اعتقالات تعسفية،
– نهب منظم للمنازل،
– وفصل العائلات أثناء النزوح الجماعي.
هذه ليست فوضى حرب، بل نمط متكرر يعيد إلى الأذهان تاريخ دارفور منذ 2003، حين جرى استخدام المليشيات المسلحة كأداة لإدارة الإقليم عبر الإرهاب الجماعي. لكن الفرق اليوم أن هذه المليشيات لم تعد مجرد قوة تعمل على هامش الدولة، بل أصبحت تسعى لوراثة الدولة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى:
الدولة التي سلحت المليشيات لعقود من أجل سحق التمردات والأقاليم المهمشة، تجد نفسها اليوم أمام وحش عسكري واقتصادي واجتماعي خرج من رحمها، ثم بدأ يلتهمها.
لقد نشأت قوات الدعم السريع داخل البنية العميقة للنظام القديم:
– كأداة للحرب الرخيصة،
– وكقوة مضادة لأي مشروع ديمقراطي،
– وكوسيلة لحماية مركز السلطة والثروة.
لكن مع الوقت، تحولت هذه القوة إلى مشروع مستقل، يمتلك المال والسلاح وشبكات التجارة العابرة للحدود، ويرتبط باقتصاد الحرب والذهب والتهريب والارتزاق الإقليمي. ولذلك فإن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد “تجاوزات”، بل تعبير عن منطق تكوين هذه القوة نفسها.
إن المدن حين تسقط تحت سيطرة منطق المليشيا لا تُهزم عسكريًا فقط، بل تُعاد هندستها اجتماعيًا:
– السكان يُهجّرون،
– الاقتصاد يُعاد تشكيله بالقوة،
– الأرض تُفرغ،
– والولاءات تُبنى على السلاح والخوف لا على القانون والمؤسسات.
ولهذا فإن الحديث المتزايد عن “سمات إبادة جماعية” ليس مجرد توصيف أخلاقي، بل توصيف سياسي لبنية العنف نفسها. فحين يصبح المدنيون هدفًا مباشرًا، وحين يتحول الانتماء الاجتماعي أو الجغرافي إلى سبب للموت، فإننا نكون أمام نمط من الحروب يهدد وجود المجتمع ذاته.
لكن التقرير يكشف أيضًا مأساة أعمق:
العالم يشاهد.
منذ شهور طويلة تتكرر التقارير الأممية وشهادات المنظمات الإنسانية والتحذيرات من المجاعة والانهيار الكامل، بينما تستمر الحرب دون أي ضغط حقيقي يوقف آلة القتل. السودان يتحول تدريجيًا إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، ومع ذلك يُترك وحيدًا في العتمة.
وفي قلب هذه العتمة تظهر الفاشر كرمز مكثف لانهيار الدولة السودانية الحديثة:
– دولة عسكرية منذ الاستقلال،
– دولة اعتمدت على القمع بدل التنمية،
– وعلى التهميش بدل العدالة،
– وعلى عسكرة السياسة بدل بناء المجتمع.
لهذا فإن مأساة الفاشر ليست معزولة عن تاريخ السودان السياسي، بل هي نتيجة مباشرة لمسار طويل من:
– عسكرة الدولة،
– تحالف السلطة والثروة،
– وتوظيف الهويات والانقسامات لخدمة المركز الحاكم.
الحرب الحالية لم تخلق الوحشية من العدم، بل أطلقت ما كان مخزنًا داخل بنية الدولة لعقود طويلة.
ومن هنا تصبح مسألة التوثيق مسألة مصيرية، لا عملاً حقوقيًا محدودًا فقط. فكل شهادة ناجٍ، وكل صورة، وكل اسم مفقود أو مقتول، يمثل جزءًا من معركة الذاكرة ضد محاولات الإفلات من العقاب. إن توثيق الجرائم ليس عملاً أرشيفيًا باردًا، بل فعل مقاومة في وجه النسيان، ومحاولة لحماية الحقيقة من التزوير السياسي والإعلامي.
لقد علمتنا تجارب السودان الطويلة أن الجرائم التي لا تُوثق تتحول لاحقًا إلى روايات متنازع عليها، وأن السلطة كثيرًا ما تراهن على ضياع الأدلة، وتشتت الضحايا، وتعب الزمن. ولهذا فإن مهمة القوى الديمقراطية، والمنظمات الحقوقية، والصحفيين، والناشطين، والناجين أنفسهم، ليست فقط إدانة الجرائم، بل بناء ذاكرة جماعية دقيقة تحفظ الوقائع والأسماء والتفاصيل.
إن الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة يرى فيها السودان مستقبله إذا استمرت الحرب:
بلد ممزق،
مدن مدمرة،
ملايين اللاجئين،
واقتصاد حرب يبتلع المجتمع شيئًا فشيئًا.
وربما لهذا يبدو تقرير رويترز مهمًا إلى هذه الدرجة؛ لأنه لا يوثق مأساة إنسانية فقط، بل يوثق لحظة تاريخية يتكشف فيها الشكل الكامل للوحشية المنظمة، حين تتحول الحرب إلى نظام حكم، ويصبح البقاء نفسه فعل مقاومة.



