
كتب #أحمد_عثمان_جبريل..
في السياسة السودانية كثيراً ما تنتهي الاجتماعات قبل أن تنتهي الأسئلة.. تُلتقط الصور التذكارية، وتُتلى البيانات الختامية، وتُوزَّع الابتسامات أمام الكاميرات، بينما تظل القضايا الحقيقية معلقة في الهواء تنتظر من يجرؤ على الاقتراب منها.. وهذا ما حدث، إلى حد بعيد، في اجتماعات أديس أبابا الأخيرة. فبينما انشغل المشاركون بالبحث عن مسارات للحوار والتوافق، ظل سؤال السودان الأكبر جالساً في منتصف القاعة:” أي مستقبل يُراد لهذا البلد؟ وهل المطلوب تأسيس واقع جديد، أم إعادة ترتيب الواقع القديم في ثوب جديد؟”.
❝ المستقبل لا يُبنى بالهروب من الماضي، بل بفهمه ومحاسبته. ❞
— عبد الرحمن الكواكبي
(1)
لم يكن السودانيون ينتظرون من الخماسية أن تقدم معجزة سياسية، لكنهم كانوا ينتظرون منها على الأقل أن تقترب من جوهر الأزمة. غير أن ما رشح من مداولات اللقاءات والوثائق المطروحة، كشف أن الخلاف لا يزال قائماً حول تعريف المشكلة نفسها.. فهل أزمة السودان هي الحرب وحدها؟ أم أن الحرب ليست سوى العرض الأكثر دموية لمرض سياسي أعمق تراكمت أسبابه عبر عقود من الاستبداد وسوء إدارة الدولة وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية؟
(2)
نعم .. لهذا السبب بدا الانتقال من الرباعية إلى الخماسية أشبه بتغيير في الشكل أكثر من كونه تحولاً في المضمون.. فالطاولات قد تتسع، وعدد المشاركين قد يزداد، لكن قيمة أي حوار لا تقاس بعدد المقاعد بقدر ما تقاس بقدرته على مواجهة الأسئلة المؤجلة.. وما لم تُطرح تلك الأسئلة الصعبة بشجاعة، فإن أي عملية سياسية ستظل تدور في الحلقة نفسها التي ظلت تدور فيها المبادرات السودانية منذ سنوات.
(3)
ومن بين كل الأسئلة المؤجلة، يظل السؤال المتعلق بعودة المؤتمر الوطني أو القوى المرتبطة بمشروعه السياسي هو الأكثر حساسية والأشد حضوراً .. ليس لأن الديمقراطية يجب أن تُبنى على الإقصاء، بل لأن الشعوب لا تُطالب بالتخلي عن ذاكرتها كلما بدأت عملية سياسية جديدة.. نعم التخلي عن الذاكرة التي انطبعت فيها كل المآسي، إذا فالمشكلة ليست في أسماء الأشخاص، وإنما في المحاسبة وعفى الله عما سلف وغياب أي مراجعة حقيقية لتجربة حكم امتدت ثلاثين عاماً وتركت وراءها إرثاً ثقيلاً ما زال السودان وأهله يدفعون ثمنه حتى اليوم.
(4)
وهنا تتضاعف الحيرة عندما تتحول بعض القوى التي ارتبط اسمها تاريخياً بالدفاع عن الديمقراطية إلى رأس رمح في الدعوة إلى إشراك تلك القوى من جديد دون شروط سياسية أو أخلاقية واضحة .. فالحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي كان جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية السودانية، يجد نفسه اليوم أمام امتحان صعب بين وفائه لتاريخه النضالي وبين رهانات تسوية سياسية يرى كثيرون أنها قد تعيد إنتاج الأزمة أكثر مما تفتح الطريق نحو حلها.
(5)
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب الداعي إلى الشمول السياسي، هو أنه يتحدث كثيراً عن المشاركة، لكنه يتحدث قليلاً عن المسؤولية.. فالديمقراطية لا تعني فقط أن يشارك الجميع، بل تعني أيضاً أن يتحمل الجميع مسؤولية أفعالهم وتجاربهم أمام الشعب والتاريخ.. أما تحويل الشمول إلى مظلة لإعفاء التجارب الفاشلة من النقد والمحاسبة والمحاكمة، فليس توسعاً في الديمقراطية بقدر ما هو إضعاف لمعناها الأخلاقي والسياسي.
(6)
وفي خضم هذه المناقشات كلها، يبدو أن الطرف الأكثر غياباً عن الطاولة هو الطرف الذي دفع الثمن الأكبر .. فشباب ديسمبر الذين خرجوا مطالبين بالحرية والسلام والعدالة لم يكونوا يطالبون بتغيير أسماء التحالفات أو تبديل مواقع اللاعبين داخل المشهد نفسه.. كانوا يحلمون بدولة جديدة، بأسس وقواعد جديدة، وعلاقة جديدة بين السلطة والمجتمع. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يتجاهل هذه الحقيقة يخاطر بأن يفقد صلته بأعمق طموحات السودانيين وأكثرها شرعية.
(7)
ولعل الخلاصة التي تكشفها أديس أبابا اليوم هي، أن السودان لا يعاني من نقص المبادرات بقدر ما يعاني من نقص الشجاعة السياسية.. فالشجاعة الحقيقية ليست في جمع الخصوم حول طاولة واحدة، بل في القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، والاعتراف بالأخطاء، والاتفاق على قواعد تمنع تكرارها. أما الاكتفاء بإدارة الخلافات دون معالجة جذورها، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة حتى إشعار آخر.
انتهى اجتماع أديس أبابا، لكن السؤال الذي جاء به لم ينتهِ بعد.. بل ربما أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.. فالسودانيون لا يحتاجون إلى وثيقة جديدة بقدر حاجتهم إلى رؤية جديدة.. لا يحتاجون إلى إعادة توزيع المقاعد حول الطاولة، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، بين السلطة والمساءلة، بين الذاكرة والمستقبل.
ولذلك فإن القضية لم تعد من يشارك في الحوار، بل أي سودان سيخرج من هذا الحوار. سودان يطوي صفحة الماضي بعد أن يقرأها ويحاسبها ويتعلم منها، أم سودان يُطلب منه أن يمزق تلك الصفحة قبل أن يفهم ما كُتب فيها؟
ذلك هو السؤال الذي خرج من قاعات أديس أبابا أكثر حضوراً مما دخل إليها.. وهو السؤال الذي سيظل يطارد كل المبادرات والاتفاقات والوثائق، لأن الأوطان لا تُبنى بإعادة تدوير أزماتها، ولا تُصان دماء شعوبها بتحويل تضحياتها إلى هوامش في دفاتر التسويات السياسية..إنا لله ياخ .. الله غالب.



